‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، سبتمبر ٠٤، ٢٠٠٧

النهاية


للمشاهدين من FaceBook يرجى القراءة من موقع البلوج أفضل هنا

إضغط هذه العلامة لتحميل الموسيقى

كان فندقاً ضخماً فخماً، يطل على ساحل البحر. بأعلى طوابقه مطعماً كلاسيكياً أنيقاً، واجهته زجاجية تماماً تكشف عن مشهد خرافى لمارينا اليخوت أمام الفندق و أضواء المدينة الساهرة حتى نسمات الصباح الأولى. فى موقع متميز أمام أحد نوافذ المطعم جلست هى على مائدة صغيرة. كانت الإضاءة خافتة للغاية تكاد تكون معدومة، يضىء وجهها شمعة صغيرة تتوسط المائدة. تنساب الموسيقى الحية لآلة الكمان من مكان بعيد، المقطوعة مألوفة، سمعتها فى كثير من الأفلام الأجنبية القديمة لكنها لا تميزها.

أما هو، فكان يجلس بجانبها، مواجهاً النافذة، لم تكن ملابسه تناسب المكان لكنه لم يلق بالاً و لم يبدو أى من الحضور يأبهون به أو بثيابه الرثة. كان شاخصاً النظر إليها، متأملاً وجهها الجميل. لم يدرك الكثيرون جمالها. لكنه يراها اليوم فى أبهى صورة لها، إن جمالها يزداد يوماً عن يوم. كما لو كان الزمان يضيف بحكمته جمالاً على جمالها. رداؤها الأسود اللامع الذى يكشف فى حرص عن أكتافها الرقيقة. عنقها الطويل الذى يلفه سوار فضى ينتهى بحلية رقيقة تلمع بشدة أحجارها الكريمة مع حركة ضوء الشموع الخافتة. لو كان دافينشى هنا لكان رسم لوحة تضاهى الجيوكندا. إن إبتسامتها الحانية الصافية على وجهها الصغير و ملامحها البريئة كانت دائماً تجعله يحلّق فى سعادة طاغية. ساعة كاملة مرت لم يتبادلا فيها كلمة واحدة. لم يملّ هو من النظر إليها طوال الوقت فى شغف شديد و إرتياح عظيم.

لم تكن تنظر إليه بل إلى ساعتها فى قلق كأنما تنتظر شيئاً ما، ألا يكفيها وجوده؟ مدّ يده فوق يدها لكى يجذب إنتباهها إليه لكنها لم تشعر بها. تجهّم وجهه بينما إقترب صوت الموسيقى منهما. توقف عازف الكمان فى كياسة أمامها و مضى يعزف أعذب ألحانه فى إندماج تام و حنكة شديدة، كما لو كان يستمد مهارته من جمالها الأخاذ. رفعت عيونها إليه فى إبتسامة مشجعة. كانت رموشها الطويلة تحجب عيونها السوداء الواسعة حتى هذه اللحظة التى دامت لثوانٍ قليلة ثم عادت مرة أخرى تطرق برأسها إلى الأرض. و مضى العازف الذى كان يرتدى حلة سوداء أنيقة و بابيون فضى فى دورة كاملة حول مائدتها يشجى أجمل ألحانه، التى كانت بالصدفة هى لحنها المفضل من موسيقى ينّى الشهيرة بإسم حلم الرجل الأوحد. ثم بدأ يمضى مبتعداً متجهاً إلى البيانو حيث زميله يشاركه العزف على نفس المقطوعة.

فى نفس الوقت ولج إلى داخل المطعم رجلاً أنيقاً تبدو عليه ملامح الهيبة. إتجه فى ثقة و حزم إلى مائدتها، نظر فى طريقه إلى العازفين و أومأ برأسه ممتناً، بينما إنحنى العازفان فى إحترام و إعتزاز.
توقف الرجل أمامها فى تبجيل و أسف ملتقطاً يدها فى حنو بالغ مقبّلا إياها قائلاً:
- عفواً يا حبيبتى لتأخيرى، أتمنى أن تكون الموسيقى قد نالت إعجابك، لقد إخترتها لأنها الوحيدة التى تعبر عن حلمى الوحيد.
سحبت يدها فى حياء ورمقت بطرف عينيها رواد المطعم الذين إختلسوا النظرات و الهمسات و قد بدأ البعض يشير إليهم فى إعجاب و ربما حقد شديد. ثم قالت فى دلال:
- أى حلم هذا؟
نظر إلى عينيها بعمق شديد و قال بلهجة واثقة لا تدعى مجالاً للكلام:
- إنه أنتِ بالطبع. هل تشكين فى هذا؟ كل عام و نحن طيبون و نحن سوياً دائماً و أنت بخير و سعادة.
قال هذا و قد أخرج من جيبه صندوقاً صغيراً بلون أحمر داكن و فتحه ببطء شديد.
إلتمعت عيناها بشدة فى ضوء الشموع كما إلتمع الخاتم أيضاً من داخل الصندوق. إنفرجت أساريرها و قالت:
- عيد زواج سعيد يا حبيبى.

توقف الزمن عند هذه اللحظة عندما إنتفض الشاب الرث الثياب الذى كان يجلس بجوارها و قد أدرك أن لا أحد يعره أى إهتمام فى المكان. قفز من مقعده و حاول الإمساك بيدها قبل أن تلتقط الخاتم الثمين. لكنه و لشدة دهشته لم يستطع أن يمسك بيدها. لقد أمسك بالهواء بل لم ينتبه إنسان لوجوده. فى لحظات قليلة حاول أن يفسر موقفه و لم يستطع. وقف فى وسط الموائد و لم ينظر إليه أحد. مر بجواره النادل و لم يعره أى إنتباه ! إنهم يتعمّدون إنكار وجوده فى وسطهم. أخذ يفكر فى صمت، أإلى هذا الحد لا يهتم به أحد؟ حتى هى؟ ألهذه الدرجة تتجاهله؟ لقد جلس بجوارها فى هذا المكان لساعة كاملة و لم تقل له شيئاً، لماذا؟

تجاوزت الكلمات عقله و بلغت حلقه هذه المرة، لماذا؟ لكن لم يسمعه أحد. إتجه إلى أحد الموائد محاولاً إلقاء ما فوقها ليجذب إنتباههم. لم يمنعه أحد، لكن لم يستطع أن يفعل ذلك، لقد إخترق جسده المائدة، أو هو طيف جسده؟ تراجع فى ذعر. نظر إليها نظرة أخيرة، لقد كانت تجلس فى سعادة مع حبيبها تتبادل معه حديث عذب. كان يمكنه أن يسترق السمع لهما لكنه لم يحتمل هذا. شق طريقه خلال الموائد. لم يمنع طيفه أى شىء فقد مر خلال العديد من الموائد و النادل و العازفين و باب الدخول فوجد نفسه أمام المصعد. لم يحتاج إلى مصعد؟ كانت هناك علامة تقود إلى سطح الفندق. صعد الدرج فى سرعة ليجد نفسه فوق سطح المبنى، لم يمنعه شىء من الوقوف هناك حيث كان يرى المدينة بأكملها و كانت السيارات تبدو صغيرة للغاية. هناك جلبة ما أمام الفندق، العديد من سيارات الشرطة، الكثير من الناس يلتفون حول شىء ما. كاميرات تليفزيونية تملأ المكان، ربما يصورون مشهداً درامياً أمام هذا الفندق الشهير. كان دائماً يشعر بدوار من الأماكن المرتفعة، لكنه لم يشعر بشىء من هذا القبيل فى هذه اللحظة. على العكس إنتابه شعور غريب بالتحليق فوق هذا المكان. لم تمر دقيقة حتى وجد نفسه بالفعل يقفز من فوق حاجز السطح لكنه لم يحلق فوق المكان بل سقط منه... بشدة... و سرعة....

لحظات قليلة مرت بسرعة كبيرة، أفكاراً كثيرة مرت بسرعة جنونية، كم من المرات التى أحب فيها و تجاهله من يحب، كم من المرات تخلى هو عمن يحب حتى تزوجن و تمنى لو رجع الزمن به للوراء ليغيّر من الأحداث. لكن فات الأوان. إنها ليست المرة الأولى. مرت أمام عينيه كل تجاربه السابقة فى سرعة خاطفة. توقفت ذاكرته عند تجربته الأخيرة. كان يعلم جيداً أنها كانت تحبه لكنه تردد كثيراً فتزوجت بشخص آخر. إن جمالها و سعادتها يجعلانه يندم أشد الندم. كم تمنى أن يكون هو معها فى هذا اليوم يحتفلان سوياً.

كل هذه الأفكار مرت فى جزء من الثانية حتى وجد نفسه يهوى من أعلى المبنى ، وصل إلى أسفله فى سرعة قاتلة. لكنه لم يصب بأى ضرر و لم يشعر بأى ألم، قام و وقف فى مكانه، لاحظ حوله خطوطاً بيضاء على الأرض لم يدرك معناها. إبتعد قليلاً فرأى الخطوط البيضاء ترسم حدوداً لجسد بشرى ملقى على الأرض. تمتزج الخطوط البيضاء بلون أحمر داكن لزج . شريط أصفر يحيط بالمكان، سيارتى شرطة و إسعاف تقفان خارج المنطقة. بعض المارة يتبادلون نظرات الأسى و يواسون بعض الأشخاص الذين قد إنهاروا من المشهد. إنه يستطيع أن يميز هؤلاء الأشخاص، هم يشبهون عائلته كثيراً. لمح بطرف عينه ممرضى الإسعاف يحملون جسداً إلى داخل سيارتهم. إن وجه هذا الشاب الغارق فى دمائه يشبهه كثيراً. إنه هو! كلا أنا لم أمت، أنا مازلت هنا حى أرزق. لا لا تغطيان وجهى.

سارع إلى أهله يطمئنهم، لكنهم لم يشعروا به بل إندمجوا فى بكاء حار – المارة يتهامسون أن شاب أثقلته ضغوط الحياة فساقته إلى حتفه. كلا، إنه لم يقفز من أعلى هذا المبنى ندماً على عمر ضاع أو أحلام تركها تفلت من يداه أو حبيب تجاهله. إنه مازال هنا، حى يرزق، أم هو مجرد طيف روحه الهائمة التى رفضتها الأرض عندما كانت تسكن جسده و لفظتها السموات خارجاً عندما تحررت من الجسد. هل يبقى هائماً حتى النهاية؟ متى تكون النهاية؟

السبت، يوليو ٢١، ٢٠٠٧

الحياة - سلسلة من الأحداث المؤسفة




للمشاهدين من FaceBook يرجى القراءة من موقع البلوج أفضل هنا
إضغط هذه العلامة لتحميل الموسيقى


كان ياما كان، فى وسط الصحرا الواسعة، جمل، طاير، على ضهره قلل كتير. الجمل بيرفرف فى الهوا طول الوقت و فى لحظة محدش عامل حسابها بتقع قلة من القلل. القلة بتقع على بالونة كبيرة، كبيرة قوى. و القلة تتدشدش مليون حتة و يطلع منها جحش، أيوه جحش صغير. الجحش قام مستغرب. فتّح عينيه على البالونة ملقاش القلة. صحيح بالونة غريبة جداً إزاى تقع عليها قلة و تتكسر؟ بس متستغربوش الحكاية لسه مليانة غرايب أكتر من كده.
الجحش زيه زى أى جحش فوق البالونة لسه صغير يدوب بيحبى على رجليه الأربعة. كل شوية تقع قلة من على ضهر الجمل و تنكسر و يطلع منها جحش صغير، يستغرب و يحبى، يحبى و يستغرب.

بس الجحش ده غير أى جحش فوق البالونة، كان دايماً ينام و يحلم فى حلم غريب قوى. كان بيتمشى فوق البالونة فى يوم كده و لقى غزالة لونها أزرق فيطلع يجرى وراها، بس جحش إيه ده اللى يحصّل غزالة زرقا؟ حتى لو كان جحش قلل. المهم الغزالة طلعت فوق الشجرة عشان الجحش أكيد مش هيعرف يطلع وراها. و بعدين رقدت فى عشة قش مليانة بيض أزرق. و طبعاً الجحش قاعد تحت مستنى الغزالة و الغزالة راقدة فوق. لغاية ما البيض فقس و طلعت منه كتاكيت الغزال. الجحش أول ما شاف الكتاكيت فرح و قام يجرى لحد آخر البالونة كان فيه هناك كشك، كشك السعادة. كان الأراجوز واقف يبيع زغاريت للعيال. و الجحش إشترى منه تلاتة كيلو زغزغة و علبتين ضِحْك، واحدة سادة و واحدة بصوت عالى. و رجع يوزع الزغاريت على أهل البالونة و الزغزغة على الكتاكيت و قلب الحلم كله ضحك فى ضحك.

طبعاً حلم غريب، أراجوز إيه اللى يقف فى كشك ده، و من إمتى بيض الغزال كان لونه أزرق؟! و الأغرب إن الحلم ده كان بيتكرر كل يوم لدرجة إن الجحش إبتدى يتهيأله إن حلمه ده هيتحقق.
كبر الجحش شوية و بقى يقف على رجليه الأربعة و يمشى و يلعب، زيه زى أى جحش فى سنّه. بس أهم حاجة إن مفيش قلة تقع فوق دماغه. و عمره ما نسى حلمه الغريب و بقى نفسه يفتح كشك زغاريت و يشوف غزالة زرقا.

إبتدى الجحش يجوع فكان لازم يشتغل عشان ياكل، طبعاً كل الجحوش فوق البالونة ملهومش غير شغلانة واحدة، يلمّوا فرافيت القلل من فوق البالونة و يشيلوها فوق ضهرهم لغاية مصنع فرافيت القلل اللى جنب البلف بتاع البالونة. تلاقى الجحش من دول طول اليوم ماشى يلمّ فرافيت القلل على ضهره و آخر اليوم واقف فى طابور البلف قدام الجمل، يدّيله فرافيت القلل، يوزنها و ياخد بنفس الوزن عصير بقدونس و سلطة جرجير.

كانت الجحوش عايشه فى كراتين، كل جحش يروّح باليل لكرتونته ياكل سلطة الجرجير و يشرب العصير قبل ما ينام. و يصحوا الصبح ينزلوا من الكراتين عالشغل دغرى، أصل لمّ الفرافيت ده مش سهل، يعنى مش كل شوية تنكسر قلة فوق البالونة، و بعدين القلة اللى تنكسر وراها جحش عايز ياكل! شرب البقدونس و أكل الجرجير مرّ فى البالونة دى. عيشة ملل فعلاً، مفهاش حاجة تستاهل غير حلم باليل و هو نايم جوه الكرتونة.

و تمر الأيام و الليالى و الجحش بيعدّ القلل و يلم الفرافيت. قلة ورا قلة الجحش كبر و بقى حمار. أخطر حاجة على البالونة لما السما بتمطر، تلاقى الدنيا غيمت و الجحوش كلها جريت على كراتينها و السما فجأة تمطر دبابيس. أكيد محدش بيحب الدبابيس، لو دبوس نزل على جحش من دول ممكن تجيله أنفلونزا بس ربنا بيستر. و لو دبوس خبط جامد فى البالونة الله أعلم ممكن تفرقع! و محدش عارف إيه مصير القلل بعد كده و برضه ربنا بيستر.

و جه اليوم الموعود، كان يوم غير كل يوم، الحمار صحى من النوم و طلع من الكرتونة لقى السما مليانة جمال طايرة بترفرف و القلل بتقع تتدشدش على البالونة زى الدبابيس. الحمار قلق و طلع يجرى يشوف إيه الموضوع. محدش بيعبره، كله عمّال يلم الفرافيت، كله همه على أكل عيشه، محدش فكر يسأل هو فيه إيه. فجأة بص الحمار فى الساعة لقى عقرب الثوانى نط على عقرب الدقايق و لدغه لدغة جامدة، قام عقرب الدقايق إترعب و نزل يجرى فوق البالونة و نزل وراه عقرب الثوانى بسرعة عايز يخلّص عليه و الإتنين سابوا عقرب الساعات لوحده و الساعة وقفت و الزمن وقف فجأة و ظهرت الغزالة.

كانت الغزالة الزرقا زى الحلم بالظبط، بس كانت لابسة طرحة حمرا و محبوسة فى كورة تلج. شافها الحمار إتجنن، طلّع شاكوش من الشنطة بتاعته و قعد يخبط على الكورة بيحاول يكسرها، بس مفيش فايدة و الغزالة من جوه بتبص عليه و مش بتعبره و لفت الطرحة الحمرا على وشها عشان ميشوفهاش. إبتدت الكورة التلج تتدحرج على البالونة و الحمار يجرى وراها عايز يكسرها مش عارف. لحد ما وصلت الكورة عند كشك السعادة كان الأراجوز واقف يعيط، شكله مخضوض من اللى بيحصل اليوم ده. حاول الحمار يشترى منه زغاريت ملقاش عنده غير صويت و دمعة. العقارب لسه بتجرى ورا بعض و فضلت الكورة التلج تتدحرج و الحمار يدق عليها و الغزالة مش فى دماغها أصلاً لغاية ما وصلوا للبلف. فى اللحظة ديه السما إبتدت تمطر دبابيس و البالونة طرحت فيونكات. مكانش فيه أى حته الحمار يستخبى فيها، و الدبابيس كلها جت عليه و غرز و هو بيجرى فى الفيونكات.

و هنا بقى فاض بالحمار، لحد إمته هيلم فرافيت القلل و يقف فى طوابير البلف و ياكل جرجير و يجرى ورا الغزال المحبوس فى كور تلج. حتى عقارب الساعة جريت منه و جاله أنفلونزا الدبابيس و بقى كله فيونكات. لأ كده كفاية فعلاً. قام الحمار فى لحظة طيش شد البلف بسنانه بكل قوته. كل شىء طار. الجحوش، القلل، الفرافيت، الكراتين، الأراجوز، الحمار، كورة التلج و ... البالونة.

البالونة طارت و الهوا طار من البالونة و كل حاجة وقعت على الرملة. و وقع الحمار و وقعت جنبه كورة التلج و الكشك وقع إتكسر ميت حتة و الأراجوز بلعته الرملة. الكورة التلج ساحت فوق الرملة السخنة و طلعت منها الغزالة المبلولة و جريت بعيد و جرى وراها الحمار فى الصحرا حاول يلحقها من بعيد شافها واقفة بتحاول تطلع شجرة. جرى عليها و فجأة داس على حاجة، أى، ده عقرب الثوانى عضه فى رجله. قام الحمار رفصه و كمّل لغاية الشجرة، فين الشجرة؟ مفيش شجرة دا كان سراب و لا إيه؟ الشجرة إختفت و الغزالة إختفت و مفيش أى أثر لأى حاجة. رجع الحمار وحيد هايم فى الصحرا مفيش حتى القلل حتى العقارب خانته. فضل قاعد فى الشمس كده لحد ما فى يوم جات الجمال طايرة و خدته لمكان بعيد و حبسته فى قلة سنين طويلة. و فى يوم من الأيام و هو محبوس فى القلة حس إن القلة بتقع و تقع و طاخ إتكسرت القلة فوق بالونة جديدة و إتدشدشت مليون حتة فرافيت و طلع منها الحمار مستغرب و تبدأ سلسلة جديدة من الأحداث المؤسفة.

الأربعاء، مايو ٣٠، ٢٠٠٧

اللقاء الثانى


هذه القصة مركبة نوعاً ما و طويلة نوعاً ما و تحتاج إلى تركيز فأعذرونى :)
بقلم ميشيل حبيب.
للمشاهدين من FaceBook يرجى القراءة من موقع البلوج أفضل هنا
إضغط هذه العلامة لتحميل الموسيقى

الزمان: صيف 1986
المكان: عروس البحر المتوسط

خلا كورنيش البحر من المارة تقريباً نظراً لإقتراب إمتحانات الثانوية العامة. كانت الساعة تقترب من الثانية ظهراً حينما مر شادى و ميريام من أمام كازينو بسترودس، أحد علامات شاطىء جليم. لم يتوقفا عنده لكنهما إستمرا فى طريقهما لشاطىء ستانلى و نزلا أمام الكبائن المطلة على البحر مباشرة. خلعت ميريام صندلها الأبيض الذى بدأ نعله يذوب و لونه ينطفىء. أفلتت يدها من يد شادى و جرت بدون أى كلفة على الرمال الساخنة فى إتجاه المياه. رفعت فستانها الأزرق قليلاً حتى لا يبتل كثيراً و توقفت لحظة ثم قذفت بحقيبة يدها الكبيرة إلى شادى و مضت لتدفن قدميها فى المياه. تحسست المياه الصافية بيديها ثم نظرت إلى الخلف لتجد شادى و قد توقف بعيداً عن المياه عاقداً ساعديه و حاجبيه. إبتسمت إبتسامة شقية و هزت كتفيها ثم بدأت ترشه بالمياه حتى لا يبقى هكذا فى مكانه. أخفى شادى وجهه بحقيبتها فى إنزعاج ثم أسرع بخلع حذائه و إنطلق تجاهها فتوقفت عن رش المياه و مدت له يدها. أمسك شادى بيد ميريام و أحاط كتفيها بيده الأخرى و نظرا ساهمين إلى البحر و أمواجه الرتيبة التى كانت تعلو و تعلو ثم تنتهى عند أقدامهما العارية.

جلسا قليلاً فوق الرمال لكى يرتاحا فقد إعتادا أن يمشيان على الكورنيش لساعات طويلة حتى الغروب فى أيام العطلة. لم يسلما من بائعى المياه الغازية و المصورين الذين لا يجدون زبائن كافين فى هذا الوقت من العام. فتارة يستسلم شادى لهم لكى يبقيهم بعيداً و تارة يخرج لهم جيوبه حتى يعلمون أنه ليس لديه أى مال فى هذا اليوم.
مرّ بائع الفرسكا سريعاً فقامت ميريام مسرعة إليه كالأطفال و إستوقفته فهى تعشق الفرسكا المقرمشة الممتلئة بالعسل بين طبقاتها الرفيعة. ثم عادت إلى شادى و أعطته 6 قطع من الفرسكا و جلست مرة أخرى بجواره. مدت يدها لتأخذ واحدة و تأكلها. أخذ شادى ينظر إليها و هو يأكل الفرسكا فقد أحس بطعم الرمال فيها فأشارت ميريام إلى يديها التى ملأها الرمال و هزت كتفيها ضاحكة و هى تنفض يديها. يحمل الهواء الرمال إلى عيون شادى فيطقطق بفمه و يغمض عينيه فى شدة فتمسحهما بأصابعها التى مازالت بها أثار الرمال فيغمضهما أكثر حتى تسيل دمعة أو إثنتان. لا تدرى هل هى من الألم أو الفرحة لكنك تعلم أن هالة من الحب تملأ هذا المكان.
تلتهم ميريام آخر قطعة من الفرسكا و تتذمر فهى جائعة للغاية. يقف شادى و يأخذ بيدها، يرتديان أحذيتهما عند إحدى الكبائن ثم ينطلقان مرة أخرى على الكورنيش.

يتوقفان عند كازينو سان جيوفانى، هذا الكازينو الأرستقراطى العتيق الذى يقع مباشرة على شاطىء ستانلى. ينظران نظرة مطولة إلى الداخل، يبتسم لهم الحارس و يفتح لهم الباب الزجاجى مرحباً بهم. تتردد ميريام فى شدة و تنظر إلى شادى الذى ينقل نظره بينها و بين الحارس ثم يبتسم داعياً إياها إلى الدخول. تقف ميريام عاجزة عن الحركة فيدفعها شادى إلى الأمام قائلاً: ليديز فيرست. تدخل ميريام إلى قاعة الكازينو الداخلية و يتبعها شادى. تنظر إلى ديكورات المكان الشديدة الأناقة ثم تنظر إلى شادى فى قلق فيطمئنها مشيراً إلى حافظته فى ثقة. يتسع وجهها بإبتسامة صافية و تتجه إلى الداخل. يقابلهما نادلاً يرتدى سترة سوداء أنيقة و بابيون. تشير هى إلى منضدة بعيدة ترى البحر مباشرة، فيتحرك الجميع إليها. يناولهما النادل القائمة فى أدب جم كما لو كان يعتذر عن ذنب ما ثم ينصرف بإبتسامة عريضة.

تنظر ميريام إلى أصناف الأكل فى لهفة بينما ينظر شادى إلى الأسعار فى رعب. لكنه كان قد إدخر بعض المال لهذا اليوم الهام، كل ما فى الأمر إنه لم يتعود مثل هذه الأماكن الراقية. تتهادى موسيقى جميلة إلى أذانهما من مكان قريب. إنها أجمل من أن تكون مسجّلة. تتنقل ميريام بعينيها حتى تقع على عازف البيانو الذى يجلس أمام بيانو جميل بقرب مدخل القاعة. أخذت تشير لشادى بيديها إليه فى شكل ملفت حتى جذبا أنظار رواد الكازينو. إنكمشت ميريام فى كرسيها فى خجل بينما رفع شادى عينيه عن القائمة إلى وجهها فى عشق واضح. كم يعشق تلقائيتها الشديدة و حماسها للحياة المتجدد كل يوم برغم كل ما يمروا به من مشاكل. إن تفاؤلها الشديد يملأ حياته بالأمل دائماً. بدأت هى تخمن الموسيقى التى تسمعها، إنها بالطبع إحدى روائع عمر خيرت لكنها لا تدرى أيهم. هى تصر إنها موسيقى خلى بالك من عقلك بينما هو يصر إنها موسيقى قضية عم أحمد. إنها تستمتع بها أياً كانت. أخرجت شيئاً ما من حقيبتها، ما هذا؟ سألها شادى فى فضول. إتسعت إبتسامتها الجميلة الصافية و هى تقول له كل سنة و هو طيب. لقد كانا معاً لمدة سنة بالتمام و الكمال. أمسك شادى بيديها و قبّلها ثم تناول الهدية من بين يديها و فتحها ليجد أجندة بها مفتاحين و قفل صغير. ما هذه الأجندة؟ قال شادى فى دهشة و هو يفتح القفل الصغير.لم تقل شيئاً بل دفنت وجهها فى القائمة فبدأ شادى يتصفحها، لقد إمتلأت صفحاتها بالكثير و الكثيرمن الكلام بخط منمق جميل، هناك قصاصات من أشياء، صور، تذاكر و غيرها...
فتح الصفحة الأولى و أخذ يقرأ بصوت تكاد تسمعه هى:
حبيبى الغالى، منذ عرفتك بدأت أكتب خواطرى، كل يوم يمر، كل ليلة قبل أن أغمض عيناى، أتذكر الكثير من المشاعر و الذكريات الجميلة التى أخاف أن أنام يوماً ما و أنساها. لذا أدونها هنا فى هذه الأجندة و أقرأها عندما أشتاق إليك. ستجد هنا ذكرى لقائنا الأول، تذاكر أول فيلم شاهدناه سوياً ، أول صورة لنا، يوم خطوبتنا، رحلاتنا الجميلة و حتى نزهاتنا الطويلة للغاية على الكورنيش. ذكرى كل يوم جميل قضيناه سوياً و كل ليلة طويلة قضيتها بدون أن أتحدث إليك. حبيبى عام مضى و 365 ذكرى كتبتها و مشاعر كثيرة لم أستطع أن أقولها لكنى كتبتها هنا. ستجد مفتاحان لهذا القفل الصغير. من فضلك إعطنى أحدهم و إبق الآخر معك. إن هذه الأجندة ستبقى شاهداً على حبنا الذى سيبقى أبداً خالداً. إنى لا أطيق صبراُ لكى أتصفح هذه الذكريات معك بعد عشرون عاماً من الآن، فى نفس المكان الجميل الذى أعلم إنك ستأخذنى إليه اليوم إحتفالاً بهذه المناسبة.
لم يقل شادى شيئاً لفترة من الوقت ثم نظر إلى ميريام و قال لها:
- إن هذه هى أغلى هدية فى حياتى لا يفوقها سواك، كم أود لو أضمك الآن بين يدى.
أخفت ميريام وجهها مرة أخرى بين صفحات القائمة فى خجل و رفعت عينيها قليلاً عن القائمة و إبتسمت، لم تقل شيئاً لكنها كانت سعيدة، فهى تجد فى شادى كل ما تتمنى، متأكدة إنه سوف يملأ حياتها إلى النهاية. هو يحبها كثيراً، شديد الطموح و الأدب و متحمل لمسئوليات كثيرة. إنه غاية ما تتمناه فتاة بسيطة الأحلام مثلها.
مرت ساعة و قد قاربا على الإنتهاء من غذائهما، نظر شادى إلى الأطباق الفارغة و قال لها فى جدية:
- ميريام، هناك موضوع ما أود التحدث فيه إليك مرة أخيرة.
- خيراً؟
سكت شادى قليلاً فأشاحت ميريام بوجهها نحو البحر. قال شادى:
- أنا أعلم رأيك به جيداً لقد تحدثنا فيه كثيراً و لكنى أعرف تماماً ما هو الصالح لنا.
- بل الصالح لك أنت.
- أنت تعلمين كم هو صعب أن نبدأ حياتنا هنا، فأنا بالكاد أدخر ما يكفى لمصاريفنا.
- لكنى سأبقى بجانبك هنا، سأكون معك دائماً لأشجعك و أدفعك للأمام.
- أنا لا أرى لنا مستقبلاً هنا، إن فرصتنا لحياة كريمة و سهلة بالخارج أفضل بكثير من هنا.
- لكننا سنبتعد عن أهلنا و أصدقائنا و أماكننا المفضلة، هل نضحى بكل ذلك؟
- و ما فائدة ذلك كله بدون بيت واسع جميل و عمل مناسب و حياة كريمة و مستقرة فى أمان؟
- لقد خلقت الحياة لكى نتعب بها و نشعر بقيمة عملنا و عرقنا.
- لكنى لدى طموح كبير فى عملى و لدى طموح أكبر لبيتى و أبنائى.
- تقصد بيتنا و أبنائنا!
- (فى حرج) نعم هو كذلك.
- هل ترضى لأبنائنا أن يكبروا فى بلاد غريبة فى مجتمع غريب؟ سيتعبون كثيراً فهم لن يستطيعوا أن يندمجوا مع ثقافتين متضادتين. إما سيصبحون مثلهم، غرباء عنا تماماً، أو مثلنا، غرباء عنهم تماماً. و فى الحالتين سيعانون الكثير أو سنعانى نحن الكثير.
- إذن فلأذهب وحدى، هل ستنتظرينى؟
- و هل ستعود أنت؟
- ينبغى أنت تأتى أنت و تشاهدى، فكل شىء هناك جميل.
- هل ذهبت أنت من قبل؟
- الجميع يحكون.
- إنهم يتعبون كثيراً.
- و ينالون ما يقصدون.
- لكنهم لا يرجعون، أنا لا أتصور الحياة بعيداً عن كل ما أحببت.
- إذن لن تتركينى أذهب وحدى؟
- لم لا تعطينا فرصة هنا أولاً و سأكون معك فى كل خطوة.
- لكن طموحى بالفعل أكبر من ذلك بكثير.
- لكن كل ما أريده هو أنت، إن أحلامى أبسط من ذلك بكثير بل إن أحلامى هى بين يدى بالفعل الآن.
- إذن تعالى معى.
- هل طموحك أهم منا؟ هل تعلم ما يحدث للسمكة إن أخرجتها من الماء؟ أنا لا أستطيع العيش بعيداً عن حياتى هنا طالما إستطعت البقاء و الكفاح فيها.
- هل هذا هو قرارك الأخير؟
- هل هذا هو قرارك أنت الأخير؟


أطرق شادى برأسه فى الأرض ثم نظر إلى وجهها فوجدها تبكى فى هدوء. عيونها تلمع و دموعها تسيل على وجنتيها. دفن شادى يديه بين كفيه لمدة طويلة، إنه فى صراع عنيف، بين حلم جميل فى يديه و حلم آخر يسعى إليه. عليه أن يختار ما سوف يجعلهما سعيدان. إن كل إختيار منهم سيرسم ملامح مختلفة لحياته كلها. هل يضحى بطموح عمره ؟ هل سيستطيع أن يجعلها سعيدة؟ ربما نعم، ربما لا. هل سيكون هو سعيداً؟ لا يعلم. هى طموحها بسيط لكنه جميل. هل يضحى بحبيبته؟ هل سيجعله نجاحه بالخارج سعيداً؟ هل يجد حبيبته من جديد إن تركها الآن؟ لا يعلم. لم يكن الإختيار بسيطاً لكنه كان قد حدد إختياره مسبقاً قبل هذا اليوم.

لم يعد يسمع صوتها، لم يعد يسمع صوت الموسيقى، بدأ يشعر بالبرودة قليلاً و شعر أيضاً بالظلام من حوله. رفع شادى يديه من أمام عينيه و نظر فلم يجدها أمامه. لكنه وجد نادلاً يسأله بأدب:
- هل تشرب شيئاً يا باشا؟
لقد تغير كل شىء من حوله تماماً، لقد إختفت ميريام، لقد إختفت الشمس تماماً و حل محلها الظلام. لم يعد الوقت نهاراً صيفاً بل صار ليلاً شتاءاً. نظر شادى من خلال النافذة. رباه لقد تغير كل شىء من حوله. لم تعد هناك أى من الكبائن، لقد تم إزالتها جميعاً. يستطيع أن يرى كوبرى ستانلى الجديد الذى يمتد فوق المياه، تحمل معالمه نفس معالم كوبرى المنتزه الشهير. من داخل الكازينو ترى أضواء الكشافات الملونة تضىء أسفل الكوبرى بألوان متعددة ترسم لوحة فنية جميلة مع أمواج البحر الهائجة. نظر شادى حوله لم يتغير الكازينو نفسه كثيراً، مازال كل شىء كما هو، محتفظاً برونقه و أناقته و عبق ذكرياته.

سمع صوتاً ينقر على الزجاج نظر إليه فوجد أمطاراً غزيرة تحجب الرؤية. أطال النظر فى النافذة فوجد إنعكاس صورته على الزجاج، كم من سنوات طويلة مريرة نالت منه، لقد خط الشيب فوديه و رسم الزمن خطوطه على وجهه و جبينه. أكثر من عشرين عاماً مضت على لقائه بميريام، لقد كان لقائه الأخير بها. رفضت هى مقابلته بعد هذا اليوم. لم تكن تعلم إن أوراقه جاهزة للسفر. سافر هو يسعى لتحقيق حلمه لم يضع لحظة واحدة. كيف ضحى بحبها له؟ كيف تركها بهذه السهولة؟ لا يدرى. كما لو كان حلماً بعيداً و قد إنطمست معالمه كلها. لقد توالت الأحداث سريعاً بعدها. حقاً كما يقولون إن الغربة تسرق العمر. لقد سعى للماجيستير و الدكتوراه و فترات طويلة من العمل لكى ينهي مصاريف دراسته. طالما فكر بها، ماذا فعلت بعده؟ هل مازالت تذكره؟ هل تزوجت؟ لم يكن مستعداً بعد للعودة فهو لم يدخر مالاً بعد كل سنوات الدراسة هذه. كما لم يكن لديه فرصة ليقابل فتاة مناسبة. لقد سخّر كل وقته للدراسة، كما لو كانت هى سبيله لنسيان حبيبته. كلما تعرّف إلى أحد، صار يقارن بينهما و كانت الغلبة دائماً لها وحدها. لم يجد روحاً بهذا النقاء، لم يجد أحداً يحبه كل هذا الحب. هل ينتقم القدر منه؟ إذن ليترك الأمر برمته للقدر. لقد مضى يعمل سنين طويلة للغاية و نال كل ما طمح إليه من نجاح علمى و عملى و صار لديه منزلاً رائعاً و سيارة تخلب الألباب. صار الجميع يقدرونه و يحترمونه لكنه أحس أن أهم ما يحتاجه ينقصه. إنه برغم كل ذلك ليس سعيداً. لقد علمته الحياة أنه يجب أن يضحى بشىء ليحصل على شىء آخر كما علمته أن الإنسان مهما نجح و نال فى حياته فهو لا يرضى بما له. بل دائماً يريد المزيد. لكنه بالفعل كان لا يستطيع تذوق حلاوة نجاحه بدون مشاركتها هى وحدها له. هنا فقط أدرك إنه لا فائدة من كل ما يعمله، هنا فقط بدأ يحس بالتعب و الإحتياج إلى الراحة و التوقف حتى يحدد ماذا يريد أن يفعل.

الزمان: شتاء 2007
المكان: عروس البحر المتوسط

لم تمض عليه بضعة أيام حتى كان فى الإسكندرية. لم يسأل عنها و لم يقل له أحد شيئاً. كانت زيارته الأولى من عشرين عاماً. توجه فى تلك الليلة الممطرة إلى ذات الكازينو حيث جلس يسترجع ذكريات لقاء آخر يوم بينهما و كانت بيده تلك الأجندة يتصفحها. دفن وجهه بين كفيه يستعيد ذكرى هذا اليوم كما لو كان بالأمس و قد عاونته الأجندة على تذكر أدق التفاصيل حتى سمع صوت النادل فجأة يكرر مرة أخرى فى أدب:
- هل يأمر الباشا بشىء؟
- شوكولاتة ساخنة من فضلك.
نظر شادى بعيداً إلى أحد الأركان التى يفصله عنها الزجاج فرأى عائلة صغيرة تتجاذب أطراف الحديث. كانوا ثلاثة أفراد، يبدون فرحين، يحتفلون بمناسبة ما فهناك كعكة ما و شموع كثيرة. الرجل يشبهه كثيراً لكنه ليس هو. فالرجل أرفع كثيراً و ثيابه أقل أناقة منه و يبدو عليه الهزال و التعب، لكنه يبدو أكثر سعادة. عجباً إنه بالفعل يحمل ملامح تشبهه إلى حد كبير. أما عن السيدة فظهرها له، شعرها رمادى و ترتدى فستاناً أسود اللون، ليس أنيقاً لكنه يليق بها و يبدو كما لو كان مفصلاً لها. تتحرك فى خفة أثناء كلامها فتبدو عليها الحيوية. أما عن الفتاة، فهو لا يراها، السيدة تحجبها تماماً. ظل شادى يراقبهم من بعيد و لا يدرى لماذا شغف بهم. قامت السيدة و مضت بعيداً، إنه يرى الفتاة بوضوح، إنها ليست فتاة، إنها ميريام، نعم إنها هى، لم تتغير مطلقاً. بالطبع غيرّت طريقة تصفيف شعرها، لكنها هى، وجهها الجميل، ضحكتها الصافية، لا يسمعها عبر الزجاج لكنه يراها. حتى طريقتها فى هز أكتافها من حين لآخر لم تتغير. و من هذا الرجل الذى تحدثه بكل إهتمام ؟ هل ينهض الآن ليتحدث معها؟ لا، لقد حصل بطريقة ما على رقمها من عدة أيام، فليتصل بها. رفع هاتفه و طلب رقمها لعلها ترد. هناك ما يجذب إنتباهها بالفعل، إنها تبحث عن شىء ما فوق المنضدة، وجدته بعيداً أمامها، إنها ترد الآن، يسمع صوتها تقول:
- ألو
- ألو ميريام؟
- نعم، من المتحدث؟
- أنا شادى، ألا تذكرى صوتى؟
- عفواً لا أتذكر لكن صوتك مألوف و إسمك يشبه إسم شخص قريب لى.
قامت ميريام من مقعدها و إتجهت بالقرب من الزجاج فرآها بوضوح أكثر، دقّ قلبه بشدة. لقد فجرّت رؤيته لها كل مشاعره التى باتت مدفونة طوال عشرين عاماً. إنه لغريب أن الزمن لم يمسّها بعلاماته كما فعل به. إنها تبدو كما لو كانت نفس الفتاة التى تركها من عشرين عاماً.
- ربما الزمن قد أنساكى فلم نتحدث من عشرين عاماً
ضحكت ميريام ضحكة صافية و قالت:
- لم أكن أعيش من عشرين عاماً بعد.
- لكى كل الحق أن تمحى كل ذكرى لى بعد ما حدث بيننا فأنا لم أكن أعيش طوال العشرين عاماً الماضية بسبب ما حدث.
توقفت الفتاة عن الحديث و بدأت تتوترمن كلامه فقال:
- إنتظرى أرجوكى إسمعى كلامى فأنا إنتظرت عشرين عاماً لأقول لك هذا الكلام.
رأت ميريام شادى و هو يشير إليها من خلال الزجاج فتسمّرت فى مكانها لكنها لم تغلق الخط.
ألصق شادى يده بالزجاج و واصل كلامه عبر الهاتف، فلم يكن يجرؤ أن يحدثها وجهاً لوجه:
- لقد أضعت عمرى أبحث عن السعادة فى المكان الخطأ و كثيراً ما راودتنى أحلام تجمعنا فى بيت صغير و أسرة جميلة. ربما ليس لدينا قصراً عظيماً أو سيارة كبيرة فى هذا الحلم لكننا سعداء.
إقتربت ميريام أكثر من الزجاج و لامست يديها الزجاج الفاصل بين يديهما و شادى يواصل:
- فى هذا الحلم ربما لم أحصل على لقب دكتور و ليس لدى أموالاً طائلة لكن وجودك بجانبى يعطينى الدافع و الثقة كل يوم لأواصله برضاء شديد.
- أنظرى إلى الآن. إنى مستعد لأن أضحى بكل ما لى من أموال و مناصب و ألقاب و عقارات لكى أحظى بلمسة حب و إهتمام من يديك. فهل تقبلى هذا؟
لم تنطق ميريام بشىء بل سالت دموعها على الزجاج. و جاءت السيدة ذات الشعر الرمادى، الآن فقط يراها و بدا وجهها مألوف إلى حد رهيب. رأى إسمه على شفتيها، أخذت الهاتف من الفتاة و قالت:
- شادى، ماذا تفعل هنا؟
نقل شادى نظره بينهما و بين الرجل الذى كان جالساً لقد إختفى الآن! ألقى شادى هاتفه و جرى بعيداً إلى الخارج و هو يصرخ:
- أنا لا أفهم شيئاً أنا لا أفهم شيئاً.

فجأة أظلمت الدنيا أمامه و لم يعد يرى شيئاً أو يفهم شيئاً فأخذ يصرخ فى شدة لكن صراخه لم يتجاوز حلقه حتى صحا فجأة من النوم لقد كان كابوساً مخيفاً. كان الظلام حالكاً فأضاء نور الأباجورة. أدار الكاسيت الصغير بجواره ليسمع أنغام عمر خيرت ثم أخرج من الكومودينو أجندة و فتح قفلها بمفتاح صغير و أخذ يكتب فيها:
اليوم إحتفلنا أنا وميريام بعيد ميلاد إبنتنا العشرين فى نفس المكان الذى أخذت فيه أهم قرارات حياتى ألا و هو إختيار حبيبتى ميريام و التضحية بحلم الهجرة للخارج. اليوم فقط أدركت أننى لم أضحى بالكثير، فوجودى بجوار زوجتى الحبيبة و إبنتنا ميريام الصغيرة التى تشبهها إلى حد عجيب جعل منى شخصاً أفضل بل أسعد مخلوقات هذا الكوكب التعيس فيكفى أنك يا حبيبتى مازلت تحبينى بعد كل هذه الأعوام. إنى سعيد للغاية.

أغلق شادى أجندته و أطفأ الأباجورة ثم قبّل زوجته فوق شعرها الرمادى و أسند رأسه على يدها و راح فى سبات عميق.

السبت، مايو ١٢، ٢٠٠٧

وردة حمرا


قصة قصيرة بقلم ميشيل حبيب

إقتربت الساعة من السادسة صباحاً فى تلك البقعة الراقية من الإسكندرية. كان هناك عدداً من الفيلات التى تملأ هذا الشارع. السيارات الفاخرة و الأشجار العالية تطل من خلف أسوارها و بواباتها السوداء. بعض من الحراس يقضون معظم وقتهم بجوار تلك البوابات يتفحصون كل من يقترب من أبوابهم، و قد تسمع كلاب الحراسة تزوم محذرة أى إنسان تسول له نفسه أن يفكر فى المرور بجوار أسوارهم. بدأت بعض الطيور التى تعيش فى حدائق هذه الفيلات تصحو من نومها فتسمع صوت إحداها كل بضعة دقائق لكنك تكاد تجزم إنه ما من إنسان قد صحا بعد فى المنطقة بأسرها.

قطع سكون هذا الشارع فجأة صوت دراجة نارية آتية من بعيد بسرعة عالية. كانت الدراجة سوداء عالية من نوع هارلى و يقودها رجل متوسط الحجم يرتدى خوذة واقية تخفى وجهه تماماً. بدأ بعض حراس الفيلات يتململون فى نومهم بينما توقفت الدراجة بحدة أمام إحدى الفيلات فى منتصف الشارع مواجهة البوابة السوداء. أخرج الرجل من سترته الجلدية شيئاً ما و قذفه بشدة و دقة فى إتجاه أحد شرفات الفيلا. ثم إنتظر بضع ثوان حتى أضاء نور هذه الشرفة، ثم عاد إلى دراجته و إنطلق مجدداً من حيث أتى. فتحت فتاة ما باب الشرفة فى سرعة و نظرت بعيداً لترى الدراجة النارية تمضى إلى نهاية الشارع بينما نظر الرجل إليها للحظة ثم أعاد نظره للطريق و أدار مقود الدراجة مسرعاً خارج الشارع.

كانت الفتاة و تدعى سارة ترتدى ملابس ثقيلة للغاية و تغطى جسدها كله حتى رأسها – خوفاً من برودة الهواء فى هذا الوقت من النهار. نظرت سارة إلى الشرفة فوجدت وردة بلدية حمراء فى عودها أشواك و مربوطة بحجرصغير فى منتصفها. إلتقطتها فى سرعة ثم عادت إلى الداخل و أغلقت الشرفة بإحكام و أطفأت النور. جلست سارة على فراشها بعد أن خلعت غطاء رأسها و الروب الصوف، ثم شدّت غطاء الفراش عليها و إحتضنته فى قوة.

أضاءت سارة أباجورة بجوار فراشها ثم إلتقطت صورة قديمة لها مع أصدقاء كليتها من عدة سنوات. نقلت نظرها بين الصورة و مرآتها الصغيرة، لقد تغيرت كثيراً عن الماضى. كانت ملامحها رقيقة لكن جسدها هزيل، شعرها ناعم طويل لكن خفيف متساقط، بشرتها بيضاء لكن شاحبة. أعادت سارة الصورة إلى مكانها و فتحت أحد أدراج الكومودينو و أخرجت صندوقاً صغيراً و كتاباً مقدساً وضعتهما بجوارها. إلتقطت سارة الوردة بحرص ثم فكت رباطها فسقطت منها ورقة صغيرة بها حروف قليلة و رقم – 1 بط 5- 7 . قرأت سارة الورقة ثم فتحت كتابها لتقرأ مقطعاً صغيراً منه. أخذت تتأمل قليلاً فيما قرأته و رسمت إبتسامة ضعيفة على شفتيها ثم فتحت الصندوق الصغير الذى يحتوى على قصاصات أوراق كثيرة، وضعت الورقة به و أعادته لمكانه ثم أطفأت النور و إحتضنت الوردة و إستسلمت للنوم مرة أخرى.

كانت الوقت قد إقترب من الظهر عندما صحت سارة من النوم مرة أخرى على صوت صلاة الجمعة فى الجامع القريب من الفيلا. تململت سارة فى فراشها قليلاً و قد تسلل ضوء الشمس لعينيها، لقد فتحت والدتها الشرفة مؤكداً. كانت لا تزال قابضة بيدها على الوردة فنظرت إليها شاردة... ترى من يفعل هذا؟ لقد دأب على إرسال هذه الوردة لها كل يوم جمعة من كل أسبوع فى تمام السادسة صباحاً. لم ينقطع و لا أسبوعاً واحداً و لم يتأخر و لا دقيقة واحدة فى الشهور الستة الماضية. هل هو معجب بها؟ هذا ليس ممكناً لأنه لم يحاول حتى التقرب إليها أو التعرف إليها. إنه يخفى وجهه وراء هذه الخوذة. لم يتوقف مرة، دائماً ينظر لها من وراء زجاج خوذته الداكنة ثم ينطلق فى طريقه. و ماذا عن هذه القصاصات التى يبعث بها، لم تفهم فى البداية معناها لكنها أدركت إن هذه الحروف و الأرقام تشير لآيات. إنها تحتفظ بكل هذه القصاصات، العشرات منها، فى صندوقها الصغير. إنه يخاطبها من خلالها، إنها تشعر بحواره معها، كل آية يشير إليها تعزّى نفسها و تهوّن عليها كربتها. لكن كيف لا يعرفها و لكن يعلم بكربتها و آلامها؟ و لماذا يهتم بها و يهتم لهمّها؟ كيف يتواصل معها هكذا؟ من هو؟

لقد تركها حبيبها و فرّ منها لعدم قدرته على مشاركتها آلامها. لم تحزن هى كثيراً فليس كل إنسان يستطيع أن يحتمل كل هذا. إنها لا تلومه كثيراً. لقد تركت هى أيضاً أصدقاءها فلم تعد تحتمل نظرات الشفقة فى أعينهم. لقد صارت عصبية للغاية فلم يعد يحتملها سوى والدتها و صديقتها الوحيدة المقربة منها التى إحتملت همّها و مزاجها الحاد. فمن هو إذن الذى يهتم كل هذا الإهتمام بإنسانة مثلها فلا يحتملها أحد لماذا يحتملها هو؟ كل هذه الأسئلة دارت فى رأسها و ظهر على وجهها شبح إبتسامة، فبرغم كل ما تمر به لكنها شعرت بشعور غريب لم تشعر به من فترة طويلة، جعلها تنسى للحظة ما تمر به.

لم يكن يوم الجمعة هو أحب الأيام لسارة حيث كان موعدها الأسبوعى للذهاب إلى المستشفى مساءاً لتلقى علاجها. كانت سارة تجلس فى حجرتها بالمستشفى حيث تتلقى علاجها و بجوارها والدتها و طبيبها المعالج.
نظرت سارة إلى وجه الطبيب، هناك شىء ما فى وجه هذا الطبيب مألوفاً لديها، شىء ما فى نظرته، شىء ما فى إبتسامته المعزية تطمئنها. لكنها لم تستطع أبداً أن تكشف هذا السر طوال الشهور الماضية. طالما حدّثها الطبيب عن الأمل فى العلاج. إنه يعلم جيداً إن العلاج الكيميائى الذى يشفيها ببطء هو نفسه يقضى عليها ببطء. إنه يعلم جيداً كم هو مؤلم لجسدها و كم هو مؤلم لروحها. و مع ذلك لا يكف عن الحديث عن الأمل، لا يكف عن الحديث عن الأبحاث التى أثبتت أن الحب و الأمل وحدهما قد يقضيان على المرض. أحياناً كانت تشعر أن الطبيب هو الشخص الغامض وراء الورود الحمراء لأنها بدأت تتلقاها مع بداية العلاج من شهور كثيرة، لكنها تعلم أنه ليس هو، فهو متزوج و لديه أولاد فى مثل سنها أو أكبر و حديث الممرضات عنه يدل على كونه رجلاً مثالياً.
أغمضت سارة عينيها بينما تدفق العلاج فى عروقها و تدفقت كلمات الطبيب فى أذنيها بينما أمسكت والدتها بيدها الأخرى فى حنان. أخذت تفكرهل يمكن بالفعل أن يقضى الحب على المرض؟

مضى الأسبوع فى سرعة و جاءت ليلة الخميس و كانت سارة تنتوى أن تكشف عن شخصية هذا الشخص الغامض، فهى لم تعد تحتمل الغموض. لقد كانت كل شكوكها تحوم حول شخص واحد، إنه الوحيد الذى قد يقدم على هذا الفعل.إسمه باسم. لقد تعرفت إليه من فترة و قد أحبها كثيراً لكنها لم تحبه، لم تشعر به. لقد إختفى وقتها من حياتها فى سرعة كما ظهر. و لم تكن على إتصال به و إن كانت تعلم من صديقاتها إنه بقى يفكر بها و يذكرها أمامهم لفترة.
سوف تنتظره فى الصباح الباكر و تواجهه عندما يصل لبيتها حتى تتأكد من شخصيته. مضت سارة مبكرة هذه الليلة إلى فراشها لكى تصحو فى الخامسة و دخلت فى ثبات عميق.

كان الجو شديد البرودة، عندما أشارت عقارب الساعة للسادسة تماماً. كان يهم بإلقاء الوردة على شرفتها عندما إنطلقت هى من وراء قضبان البوابة. و لدهشته الشديدة تجمّد فى مكانه، فلم يكن يتوقع أن تظهر هى فى تلك اللحظة. كانت ترتدى ملابس ثقيلة و تغطى رأسها و رقبتها، إنها تعلم جيداً إن البرد قد يقضى عليها فعلاجها يضعف مناعتها بشدة. و كان يعلم هو ذلك أيضاً فقفز من فوق دراجته البخارية و خلع سترته الجلدية و أحاطها بها كما لو كان يحميها من عدو خفى لا يراه. لم تمنعه هى فقد كانت مازالت تشعر بالبرد برغم ملابسها الثقيلة.
وقفت أمامه و قالت بصوت ضعيف: باسم؟

لم يسمعها هو لكنه قرأ إسمه على شفتيها فإبتسم و رفع الزجاج الداكن عن خوذته ليكشف عن عينيه. نعم إنه هو فعلاً. دارت مئات الأسئلة فى رأسها، لكنها لم تقل شيئاً حتى دعاها للركوب معه. لم تفكر كثيراً، إنتظرت حتى إستقر على دراجته ثم قفزت خلفه و أحاطت خصره بيديها الواهنتين. أعطاها باسم خوذة أخرى لترتديها و كان شعرها مازال يسترسل طويلاً خارج الخوذة. أنزل باسم الزجاج على خوذته و إنطلق فى الشارع حتى وصل إلى نهايته. لم تكن هناك سيارة واحدة فى شارع أبو قير – الشارع الرئيسى بقلب الإسكندرية - فإنطلق باسم مخترقاً الشارع. لم تسأله سارة عن وجهته لكنها أدركت من مساره فى شارع سوريا إلى أين هو ذاهب.
لم تمضى أكثر من دقيقتين حتى وصلا إلى كورنيش البحر و مضى باسم منطلقاً بأقصى سرعة على الكورنيش محاذياً البحر – يدور معه فى ملفاته. كانت سارة تتشبث به بشدّة ليس فقط لسرعته و لكن لإحساسها بالبرودة الشديدة تتسلل إليها. توقف باسم بعد فترة عند كوبرى ستانلى، بقت سارة على الدراجة بينما نزل باسم و جلس على الرصيف مواجهاً لها. مدت سارة يدها لترفع خوذته و ترى عينيه، و فعل هو المثل بها. كان مبتسماً، لم ترى فمه لكنها أحست بالإبتسامة فى عينيه، لقد كانت إبتسامته الصافية هذه هى أكثر ما يجذبها إليه فهى تشعرها ببساطته و طيبته. نطق بكلمة لم تسمعها هى من شدة الرياح لكنها فهمتها و نظرت بعيداً مبتسمة، كانت مرآة الدراجة أمامها فرأت نفسها بها، هزيلة ضعيفة شاحبة... فعادت تنظر إليه مجدداً و سالت الدموع من عينيها بدون أن تدرى.

قام باسم و مسح الدموع عن عينيها و ركب الدراجة مرة أخرى منطلقاً بها. لم تتشبث به سارة هذه المرة و لكنها فردت يديها عن آخرها و أغمضت عينيها، لقد كانت تشعر إنها سابحة فى الهواء، لم تكن تتوقع أن يحبها أحد كل هذا الحب، و إن لم تكن تحبه هى لكنها هائمة بحبه لها الغير محدود الغير مشروط. فجأة لم تعد سارة تشعر بما حولها، إنها تطيرو شعرها يطير ورائها، إنها تهوى من مكان عالى و لا ترى شيئاً و قلبها يدق بعنف، تصرخ لكن صوتها لا يغادر حنجرتها. شىء ما يدق بشدة بجوارها، تجد نفسها فجأة نائمة على فراشها فتقوم مفزوعة لتجد ساعتها تدق السادسة. تجرى إلى شرفتها فتجد الدراجة تسرع مغادرة و الوردة مستقرة عند قدميها. كان قلبها مازال يدق كما لو لم يكن حلماً، كانت تتمنى أن يكون حقيقة لكنه كان أجمل من أن يتحقق.


مرت عدة شهور، كانت الورود ترتمى و الآيات تملأ الصندوق الصغير و التعزية و الحب يفيضان فى قلبها. مازال شخصه غامض لكن مازال حبه يملأ قلبها فهو الشخص الوحيد الذى تجاوز الحياة الدنيا و لمس روحها بأياته و وروده، لم يكن يريد منها شيئاً سوى إسعاد قلبها و تعزيتها فى محنتها، أى حب مثل هذا؟

يوم الجمعة، موعد زيارتها للمستشفى، دخل الطبيب عليها منفعلاً حاملاً نتائج تحاليلها الأخيرة. قفزت سارة فزعة من مكانها لرؤيتها إنفعال الطبيب الذى طمأنها و قال لها إن هناك تقدم هائل فى علاجها و إن جلستها القادمة سوف تكون الأخيرة. حدّقت سارة فى عينيه بشدة و قفزت لتحتضنه و تشكره ثم تراجعت فى حياء لترى إبتسامة صافية على وجهه لم تراها من قبل حتى هذا اليوم.

منذ ذلك اليوم و لمدة أربع أسابيع لم يزرها صديقها الخفى. لماذا توقف عن إرسال الورود لها؟ هل لأنها تعافت و لم تعد تحتاجه؟ إنها تحتاجه الآن أكثر من أى وقت مضى لكى تشاركه فرحتها بالشفاء. إنها لن تشعر بطعم الحياة مرة أخرى بدونه بجوارها. ثم إنها مازالت لا تعرف كيف عرف هو بشفائها؟

كان هذا هو الأسبوع الرابع بدونه، لقد نامت تلك الليلة و هى تحتضن آخر وردة أرسلها. صحت من نومها فى الخامسة صباحاً و قررت أن تقوم لتنتظره أمام بيتها. أضاءت نور حجرتها فوجدت فجأة بقعة دموية على قميص نومها الأبيض. إنتفضت سارة من فراشها و إنطلقت إلى الحمام لتتفحص مصدر البقعة، لا توجد أى أثار على فمها أو أنفها، رباه، هل عاد المرض مرة أخرى؟ من أين أتت إذن؟ آه إن كفها يؤلمها بشدة! لقد جرحت أشواك الوردة يدها إذن. لحظة، لقد تذكرت شيئاً، هذه الإبتسامة الصافية، باسم، الطبيب، كيف لم ألحظ هذا؟ إنها نفس الإبتسامة! كيف هذا؟ نعم، أنا أتذكر الآن، لقد ذكر باسم من قبل أن والده طبيب بمركز الأورام. كيف لم ألحظ الشبه بينهما؟ جرت سارة إلى كتيب مشروع العلاج و قلّبت الصفحات فى سرعة شديدة حتى وجدت إسم الطبيب، إنه نفس إسم العائلة. دق قلبها بشدة فأسرعت ترتدى ملابسها و جرت إلى الشارع و كانت الساعة تدق السادسة تماماً عندما وجدته أمامها راكباً درّاجته النارية و قد مد يده بخطاب لها، أخذته منه و قد ألجمتها المفاجأة. فتحته فى سرعة بينما مضى هو فى طريقه، قرأته فى سرعة و بصوت عالى لكى يسمعها:

من غير حدود
من غير قيود
من غير كلام
من غير شروط
مش عايزك تحبينى
لكن بس خلينى
أفضل أحبّك
لغاية ما أموت
1كو 13 – 8

لم تجد كلمات تعبر بها فصارت تعيد كلماته و هتفت بإسمه بصوت عالى، فتوقف فجأة. بدأت هى تجرى حتى أدركته و قفزت فوق الدراجة النارية. أمسك بيدها و أخرج بيده الأخرى منديلاً ليمسح جرح يدها. نظر إليها فرفعت الزجاج الداكن من خوذته فرأت إبتسامته الصافية. أحاطت خصره بيديها فأخرج خوذة ثانية، وضعتها فوق رأسها و لكن مازال شعرها مسترسلاً على كتفيها. إنطلق بها إلى كورنيش البحر فى الإسكندرية فى السادسة صباحاً من يوم الجمعة.
-----------------------------
الإسكندرية فى 13 - 5- 2007
Thanks to my muse

السبت، أبريل ٠٧، ٢٠٠٧

موعد مع القدر


قصة قصيرة بقلم ميشيل حبيب
لم تكن الساعة قد جاوزت الحادية عشرصباحاً من هذا اليوم الشديد الحرارة فى مستشفى فيكتوريا بالإسكندرية، عندما إكتظت القاعة الداخلية للمستشفى بعشرات الأشخاص الذين ينتظرون دورهم للدخول إلى طبيبهم المعالج فى العيادات المختلفة. تمتلىء القاعة عن آخرها بالكراسى البلاستيكية المثبتة فى أماكنها فى ستة صفوف حيث يواجه كل صف الصف التالى له. بينما تحتوى القاعة على العديد من الأبواب الخشبية المؤدية لعيادات الأطباء الداخلية بالمستشفى. بين كل دقيقة و الأخرى تخرج إحدى الممرضات من أحد تلك الأبواب فيقفز البعض من كراسيهم متجمعين حولها سائلين عن دورهم، فتارة تنظر إليهم بصرامة ثم تشير لأحدهم أن يتبعها لداخل العيادة و تارة تقول بصوت جهورى لا يناسب هدوء المستشفى: "لسه يا جماعة، بالدور بالدور"


كانت القاعة نوعاً ما هادئة برغم هذا الكم الهائل من البشر، لا صوت يعلو بها سوى همس بعض المرضى يشكون آلامهم، صوت المراوح التى تملأ الأركان محاولة تلطيف الجو بدون جدوى فكان الجميع بلا إستثناء يتصببون عرقاً. و أخيراً هذا التلفاز الذى يعرض مجموعة أغانى فيديو كليب على قناة ميلودى فكان بعض المرضى يشاهدونه بلا إهتمام و البعض يقرأ شريط الإهداءات والرسائل التى يرسلها المشاهدون الذين يعانون من فراغ شديد من خلال تليفوناتهم المحمولة.

لم تكن دينا تنوى أن تترك عملها فى هذا اليوم لكن هذا الألم الذى فاجأها فى تلك الليلة لم يعطها فرصة كافية للنوم. فأخذت أجازة عارضة من العمل و صحت من النوم متأخرة على غير عادتها لتذهب لعيادة طبيب الأسنان الذى تفضله فى تلك المستشفى بدون ميعاد سابق. إنها قد تحتمل الإنتظار طويلاً حتى يفرغ الطبيب من مرضاه لكنها لا تستطيع الإنتظار يوماً آخر بهذه الحالة.

كان صوت حذائها الرتيب ذى الإيقاع السريع يدوى فى أرجاء المستشفى حتى وصلت إلى القاعة فوجدت العديد من العيون تنظر إليها فى ترقب كما لو كانت تبحث عن أى حدث جديد يكسر ملل الإنتظار. فتوقفت دينا للحظة فى خجل و توقف صوت الحذاء المدوى. كانت شابة فى مقتبل العمر تعمل مصممة للإعلانات، قصيرة الطول بشدة، نحيفة، بيضاء، ملامح وجهها رقيقة للغاية و متناسقة، على وجهها نظارة طبية صغيرة بإطار أسود مستطيل رفيع، شعرها أسود قصيرلا يصل إلى كتفيها، يبدو ناعماً بطبيعته. كانت ترتدى ملابس بسيطة للغاية، تي شيرت أبيض لا يحمل سوى علامة صغيرة و بنطلون جينز أسود يظهر نحافتها بوضوح. و حذاء أبيض كعبه لا يقل عن سبع سنتيمترات كاملة. لم تضع أى حلى سوى سلسلة ذهبية رفيعة تنتهى بصليب رقيق يناسب حجمها الضئيل. كان جمالها هادئاً و ملبسها أنيقاً بسيطاً لا يلفت الأنظار.أشاح الجميع بوجوههم مرة أخرى مما زاد من خجلها فأكملت طريقها فى سرعة و ضوضاء مرة أخرى باحثة عن مكان تستريح به فى القاعة فلم تجد مكاناً مناسباً. حتى فتح أحد تلك الأبواب مرة أخرى و قام أحد الجالسين بثقة متجهاً إلى الممرضة التى سمحت له بالدخول على الفور ثم أغلقت الباب بقوة ورائه و نظرت إلى الجميع نظرة متحدية ثاقبة كأنما تنتظر كلمة إعتراض واحدة لتخرج من داخلها طاقات الكبت و الهم الكامنة. و بينما كان الجميع يتابعون الموقف إختلست دينا النظر إلى الكرسى الذى أصبح الآن فارغاً فإتجهت إليه بخطوتها السريعة المعهودة و جلست عليه فى ظفر و سعادة.


عاد الملل يسيطر على المكان مرة أخرى. و بدأت آلام الأسنان تعود فرسمت دينا على وجهها علامات الألم و أخذت تتجول بنظرها حولها محاولة إلهاء نفسها عن الألم، كانت وجوه المرضى كبار السن تذيب قلبها فتنسى آلامها البسيطة، و كانت وجوه الممرضات ترعبها بما يكفى فقد تجهش بالبكاء إن تفوهت أحداهن بكلمة أمامها. أخرجت دينا منديلاً من حقيبتها لتجفف عرقها الذى تصبب منها رغماً عن نحافتها الشديدة ثم أخذت ترسل بعدد من الرسائل لأصدقائها على المحمول لكن لم يرد أى منهم بعد، فهم بالغالب مشغولون بعملهم. تردد فى المكان صوت سامو زين يغنى "أنا عارفك من قبل ما أقابلك" فإلتفتت دينا إلى الشاشة الذى لم تلحظها من قبل فى القاعة، و قد عقدت العزم على إتخاذه وسيلة تسليتها فى الساعة القادمة حتى يأتى دورها فى عيادة الأسنان. برغم إهتمامها الشديد بالأغانى العاطفية و تصويرها بحكم عملها فى مجال الإعلانات، إلا إنها طالما كرهت هذا الشريط المقيت بأسفل الشاشة الذى يمتلىء بالحوارات السخيفة. هى لا تصدق إن أحداً لديه كل هذا الوقت لإضاعته فى حوارات واهية مع أشخاص وهميين.
"أيمن: مطلق يبحث عن الحب فى المنصورة"، "أميرة البحرين: وينك يا نجم الصباح"، "أبو قلب كبير: صباح الخييييررررر يا أحلى شباب و صبايا الميلودى"، "عمدة الإسكندرية: 28 سنة مهندس طويل أسمر نحيف يشعر بالملل"، "نجم الصباح: أنا هنا يا أميرة البحرين إشتقتلك مرررررررررررررره خخخخخخ"
برقت عينا دينا للحظة و تبادلت النظرات بين هاتفها و شاشة الميلودى و قالت بصوت لا يكاد يسمعه أحد: "و لم لا؟" إنها بالفعل تشعر بملل شديد فلم لا تجرّب؟ بدأت تفكر فى أول رسالة... و لم تتردد لحظة.
"دندشة العصافرة+: أسنانى تؤلمنى و أشعر بالملل الشديد."
"عمدة الإسكندرية+: سلامتك يا دندشة! ممكن نتعرف؟"
"دندشة العصافرة+: 24 سنة مصممة إعلانات، قصيرة و نحيفة جداً، أشعر بالخجل"
"عمدة الإسكندرية+: هل تؤمنين بالقدر؟"
"دندشة العصافرة+: طبعاً! إنه الترتيب الإلهى الذى يجمع شخصان دون أن يدريان"
"عمدة الإسكندرية+: ربما هو القدر الذى جمعنا اليوم، فهذه أول مرة أدخل على ميلودى"
"دندشة العصافرة+: أنا أيضاً!!! إنه الملل الشديد، و المرض، بعيد عنك!"
"عمدة الإسكندرية+: ألف سلامة، ليس بعيداً، أنا ملازم الفراش من يومين و عندى ملل."
"دندشة العصافرة+: سلامتك يا عمدة، مم تشتكى؟"
"عمدة الإسكندرية+: من الرصيف!!"
"دندشة العصافرة+: أفندم؟"
"عمدة الإسكندرية+: منهم لله، المحافظة كسرّت رصفان البلد كلها و تعيد رصفها، وقعت و كسر ذراعى"
"دندشة العصافرة+: فعلاً! أنا وقعت أكثر من مرة، آخرهم كنت على باب المستشفى من نصف ساعة، ربنا يستر"
"عمدة الإسكندرية+: أنا أحب هذه الأغنية جداً"
"دندشة العصافرة+: أنا أيضاً! هى ما لفت إنتباهى للشاشة أولاً"
"عمدة الإسكندرية+: أنا مضطر أستأذن، عندى ميعاد مهم."
"دندشة العصافرة+: فرصة سعيدة يا عمدة."
"عمدة الإسكندرية+: أتمنى أن أراكى مرة أخرى للتعرف عليك أكثر "
"دندشة العصافرة+: طبعاً أوعدك، لو شاء القدر أن نتقابل مرة أخرى"

عادت دينا مرة أخرى إلى عالم الواقع عندما رأت القاعة مرة أخرى و قد كان وجهها مغطى تماماً بالعرق فلم تلاحظه هى طوال حوارها الذى إندمجت به تماماً فأخذت تمسح وجهها بالمنديل مجدداً و أخذت تفكر – هل تقابله مرة أخرى؟ إنه يبدو شخص لطيف خفيف الدم، ربما قابلته على الميلودى فى يوم آخر، و ربما لا تقابله إطلاقاً. أوف، لم فعلت هذا؟ إن هذه الحوارات سخيفة فعلاً و لا فائدة منها. لم فعلت هذا؟ ربما لتهرب من وجه الممرضات. لم تكد تلك الفكرة تمر من أمامها حتى ظهرت إحداهن فجأة، ضخمة الجثة، عريضة المنكبين، وجهها غليظ، عقدت حاجبيها و كشرت عن أسنانها و قالت ملاك الرحمة: "البشمهندس عماد، إتفضل"


وقف هو فى تلك اللحظة، شاب طويل أسمر نحيف و يبدو عليه الملل مثل الجميع. حدقت دينا فى وجهه لوهلة و قد تدلى فكها السفلى ببلاهة، فقد كانت يده اليسرى مكسورة و مربوطة رباطاً طبياً و يحمل هاتفه فى يده اليمنى. هل يكون هو؟ يا لها من صدفة. إتجه البشمهندس عماد إلى الممرضة فى ضيق و ملل، ربما بسبب ألمه من يده أو ألمه من رؤيته لها. لم يلاحظ دينا على الإطلاق و قد حمدت هى الله على هذا مئات المرات فى النصف ساعة التالية.

أخذت المفاجأة عقلها تماماً لبضعة دقائق حتى فقدت الإحساس بالزمن. بدأت تعود لعقلها و أخذت تفكر. هل رآها؟ لم يكن يجلس بعيداً. هل عرفها؟ قصرها و نحافتها واضحان. هل كان يعلم بوجودها طوال حوارهما؟ ربما رآها تبعث بالرسائل. هل هو فعلاً نفس الشخص؟ إنه يبدو لطيفاً محترماً لكنه ليس العماد الوحيد بالإسكندرية. و ماذا عن الذراع المكسورة؟ ربما هو ليس العماد الوحيد ذو الذراع المكسورة بالإسكندرية. لكنه قال إن لديه ميعاد. و الممرضة نادته بالباشمهندس. كل الناس ينادونهم بالباشمهندس فى هذه الأيام. ربما هى مجرد صدفة. حتى لو كان هو. هذا لا يعنى شيئاً بالمرة. مجرد صدفة.
أخذت الأفكار تلعب برأسها لفترة طويلة حتى نسيت تماماً آلام أسنانها. إن التفكير أحياناً ما يقوم بعمل أكثر المسكّنات تأثيراً. لم تسمع دينا الممرضة تنادى إسمها ثلاث مرات على الأقل، و لكنها سمعتها فى المرة الرابعة فإنتفض قلبها الصغير من مكانه و قفزت من مكانها ناظرة فى إتجاه الممرضة. كانت هى ذات الممرضة كاشفة عن أسنانها الصفراء التى تتخذ أوضاعاً مختلفة لا ترتبط بأى توزيع للأسنان ورد فى جميع مراجع الأسنان العلمية أو حتى فى موسوعة جينيس للأرقام القياسية.

لم تلق دينا إلى هذا كله بالاً حيث كان الألم قد بلغ شدته فلم تستطع حتى الكلام بل إكتفت بهز رأسها و مضت فى سرعة إلى داخل العيادة. فجأة، فتح باب عيادة العظام و خرج منه نفس الشاب الذى دخل من قبل. لم تستوعب دينا الموقف عندما إصطدمت به فقد كانت مسرعة و مشتتة التفكير و لم تراه. صرخ عماد من الألم فقد إصطدمت بذراعه المكسورة و فقدت إتزانها فى فزع خاصة لأنها ترتدى كعباً عالياً و طارت حقيبتها فى الهواء. مع ذلك إستطاع عماد أن يسندها قبل أن تسقط على الأرض. ثم رفع حقيبتها بيده السليمة و أعطاها لها و قال: "أنا آسف." لم ترد عليه هى بل إكتفت بإيماءة من رأسها مبتسمة. ربما هو الألم ربما هى المفاجأة، لكنها قررت ألا تقول شيئاً على الإطلاق.



أطال عماد النظرإلى دينا المفزوعة فزادت نبضات قلبها حتى تهيأ لها إنها تسمعها بوضوح بل تخيلت إن قلبها ينتفض بوضوح إلى خارج صدرها. إحمرّ وجهها و أخذت تهرب بنظراتها منه لكنه بقى هكذا حتى عادت هى للدخول إلى عيادة الأسنان. و هنا فقط قال لها: "من فضلك". نظرت إليه مرة أخرى فقال مشيراً إلى حقيبتها:
"أنا شفت العلامة دى قبل كده، مش دى شركة إعلانات برضه؟"
برقت عيناها لحظة عندما رأت باطن يده اليمنى و لكنها أشارت برأسها فى إصرار مسبق أنه "بالطبع كلا"، مفكرة إن الكذب و الصمت من الفضائل الكبرى.
فقال عماد غير مصدقاً: "بس أنا ليا صحاب هناك و عارف الشنطة دى هدية للموظفين بس"
هزت كتفيها كأنما الأمر لا يعنيها فى شىء.
تطلع عماد إليها للحظة متأملاً قصرها و نحافتها الشديدة و سلسلتها الذهبية ثم قال مغامراً: "حضرتك الآنسة دينا؟ صح؟"
عادت لهز رأسها بالنفى، فقاطعها بإبتسامة مشيراً لعيادة طبيب الأسنان التى هى كانت متجهة إليها: "و حضرتك سنانك وجعاكى و رايحة عيادة الأسنان؟ مش كده؟"
كادت دينا تنفجر فى البكاء و لكنها ظلت رابطة الجأش و أصرت على عنادها و أشارت بالنفى مرة أخرى، بل ذهبت هذه المره فى الإتجاه العكسى إلى خارج القاعة بسرعة شديدة.
نظر عماد إليها فى أسى و حزن بينما رفعت الممرضة حاجبها عندما وجدتها راحلة و قالت بصوت ربما سمعه نزلاء المستشفى بدون إستثناء: "آنسة دينا، دكتور سامى منتظر حضرتك! هتيجى و لا نلغى الكشف؟"
نظر عماد إلى جانب الممرضة حيث كانت اللافتة تقول: "سامى لويس – أسنان"
تجمدت دينا فى مكانها بينما جرى عماد إليها ليلحقها و قال باسماً:
"هل تؤمنين بالقدر؟"
هزت رأسها فى خجل أنه نعم، فقال:
"يمكن هو القدر اللى جمعنا النهارده"
هزت رأسها فى خجل مرة أخرى أنه نعم، فقال:
"و إنتى وعدتينى، لو شاء القدر نتقابل تانى..."
رفعت رأسها إليه هذه المرة، كان طويلاً للغاية و وسيماً و تبدو على وجهه ملامح الطيبة و الذكاء. رفع حاجبيه منتظراً إجابتها لكنها لم تكن تستمع إليه. فعاد يقول لها:
"إتفضلى عند الدكتور، أنا هستناكى هنا، نشرب كوبايتين شاى فى القاعة هنا و نتكلم شوية؟"
قالت له بصوت خفيض جداً: "أوكى"
لم يسمع صوتها لكنه قرأ الإجابة على شفايفها و تأمل وجهها المتصبب عرقاً و خدها المنتفخ قليلاً بسبب ألم أسنانها.
رجعت هى إلى داخل عيادة الأسنان و لم تصدق أن الممرضة سمحت لها بالدخول فأغلقت الباب من خلفها بعد أن نظرت إليه نظرة أخيرة و هو يبتسم لها.
عاد عماد يتابع الشاشة فوجد بعد عدة دقائق رسالة تقول:
"دندشة العصافرة+: لا تطلب لى شاياً و لا تتوقع أن أقول كلاماً واضحاً، فالطبيب ينوى أن يحشو فمى بالقطن بعد الخلع. لكن إنتظرنى أرجوك."
أغمض عماد عينيه و إسترخى فى مقعده وأخذ يمسح العرق المتصبب على وجهه منتظراً موعده المفاجىء مع القدر.


السبت، مارس ٢٤، ٢٠٠٧

المكالمة الأخيرة


إضغط هذه العلامة لتحميل الموسيقى

قصة قصيرة بقلم ميشيل حبيب - 24 مارس 2007

لم تكن هى حبه الأول، لقد أحب الكثير لكن كثيراً ما عانده القدر.لكنها كانت أقرب ما كان لفتاة أحلامه التى طالما بحث عنها. أحبها من طرف واحد و لم تكن تستجيب إطلاقاً لمحاولاته اللامتناهية للتقرّب منها حتى مضى بعيداً عنها و لم يعد يذكرها أمام أصدقاءه فتوقع الجميع بما فيهم هى إنه نسيها تماماً.

فى أطراف مصر الجديدة، جلس الأصدقاء الثلاثة، ميزو، فرفر و نوسة فى تلك الحديقة الواسعة المليئة بالأشجار و الورود. كان الوقت قد جاوز العصر بقليل و نسمات الهواء تحمل رائحة الياسمين العطرة معلنة بداية فصل الربيع.
كان فرفر و نوسة يتبادلان النكات الخفيفة و يتضاحكان بصوت عالى ، لم يكن لحديثهم أى معنى أو ترابط حتى لتظن إنهما مخبولان، بينما جلس ميزو منزوياً منطوياً على نفسه يبدو كما لو كان يحمل هماَ كبيراً. كان الأصدقاء الثلاثة فى ريعان شبابهم. بينما بدا ميزو أكبر قليلاً فقد أضاف الحزن بعض الأعوام لعمره الحقيقى و إنحناءاَ لظهره و لاحت بعض الخطوط البيضاء على رأسه معلنة إنشغاله بأمور كثيرة طقطقت شعره.

أخذ ميزو يتأمل موبايله كما لو كان ينتظر مكالمة مهمة. ثم وضعه بعيداً فى ضيق. فقال له فرفر ضاحكاً:
- هى لسه متكلمتش؟
- (فى حدة) هى مين دى؟
- (ضاحكا بخبثً) معرفش بقى بس طالما إنت قلقان كده يبقى أكيد مستنى تليفون مهم
قالت نوسة فى ضحك و غمزت غمزتين:
- إعترف يا ميزو – مين هيكلمك؟
- (فى ملل) أبداً ده بس بيتهيألى حد بيرن
أضاء الموبايل للحظة مع صوت ضعيف فقفز ميزو من مقعده حتى كاد يسقط من مكانه فضحك الأصدقاء بينما نظر هو إلى الموبايل فوجد البطارية تعطى إشارة إنها على وشك النفاذ.
إنفجر فرفر فى الضحك قائلاً:
- البطارية بترنلك تانى.
بينما قالت نوسة فى جدية:
- متكلمها يا ميزو!
- (ميزو فى حدة) هى مين دى؟
- (نوسة ضاحكة) البطارية، يمكن عايزاك فى شاحن
إرتفع صوت الموبايل برنته المميزه فى هذه اللحظة فسكت الجميع معلقين أعينهم بالموبايل. ثم نظر ميزو فى حدة إلى فرفر فلم يكن سوى فرفر يرن عليه.
قالت له نوسة فى إهتمام:
- مين يا ميزو؟
إنقطعت الرنة فجأة بينما كان فرفر مازال يضحك حتى سمع ميزو يرد على الموبايل و يقول:
- ألو بتضحك على إيه يا فرفر؟
إنتبه فرفر و نوسة لما فعله ميزو فإنقطع فرفر عن الضحك و بدأته نوسة. بدأ ميزو يستعد للفرار بين أشجار الحديقة عندما هب فرفر من مقعده للحظة ثم جلس ساكناً.

عاد الأصدقاء الثلاثة لما كان يفعلونه كما لو أن شيئاً لم يكن. و أخذ ميزو ينظر لموبايله كل بضعة دقائق و يتأكد إنه لم يتلق أى رسائل أو رنات ثم يطمئن أن صوت الرنة عال بما يكفى حتى يسمعه عندما يرن.

أخذت نوسة تحكى لفرفر بصوت عال عن آخر حلقة من المسلسل الكوميدى الذى تتابعه على التليفزيون و أخذ فرفر يعلق بقفشاته الضاحكة مشتتاً نوسة بين كل مشهد و الآخر فتعود تحكى من البداية، بينما سرح ميزو بخياله قليلاً و رفع رأسه للأعلى متأملاً تشكيلات السحاب محاولاً تخيل ما يمكن أن يرسمه هذا التكوين. إنه يشبه مجموعة من الأمواج وسط البحر و فوقها بعض الطيور تطير بين السحاب. يا له من تشبيه مجنون، بالطبع السحاب يبدو كالسحاب!

لم يدرى ميزو كم من الوقت مر عليه متأملاً و لكن ضوء النهار بدأ يتداعى بينما مازالت نوسة تحاول جاهدة حكاية الحلقة و فرفر يستمتع بمقاطعتها و تشتيتها. إنه مزيج من الأصدقاء لا تجده كثيراً. تجمعهم البراءة و الصفاء برغم كبر أعمارهم.

أخذ ميزو يتابع طائراً يحوم حول المكان لفترة كما لو كان تائهاً أو يبحث عن شىء ما ضائع منه. إرتفعت رنة موبايله المميزة متصاعدة تدق بقوة حتى كادت تخترق رأسه. نظر ميزو إلى المنضدة فوجد موبايلات أصدقاءه بجوار موبايله فإنتفض قلبه من مكانه و إختطف موبايله محدّقاً فى الشاشة. هل هى؟
قال ميزو (حيث لا تسمع الطرف الآخر):
- ألو؟
- ......
توقفت نوسة عن الكلام و فرفر عن الضحك للحظة و قالت نوسة:
- إيه ده أنا مخدتش بالى التليفون بيرن
- (فرفر ضاحكاً) طبعاً مانتى صوتك قد كده
- (نوسة بصوت عالى) لأ إنت إللى ضحكك جايب آخر الجنينة

عاد الأصدقاء للمسلسل بينما إبتعد ميزو قليلاً و سدّ أذنه:
- أيوه أنا ميزو، دوللى؟
- .......
- إزيِك؟ عاش من سمع صوتِك.
- .......
- أبداً، أنا كنت قاعد مستنى.
- ......
- مستنى تليفونك طبعاً.
- ......
- صدقينى، أنا بقالى كتير قوى مستني.
- .......
- لأ، أنا ورايا إيه؟ إتفضلى أنا معاكى.
- .......
- أيوه يا دوللى؟
- ......


قالت نوسة لفرفر:
- هى مش دوللى دى كانت زميلته فى الكلية؟
- أيوه غريبة دى عمرها ما كلمته...
- دى هاجرت من تلات سنين و ...
- و أخبارها إنقطعت

ميزو يتابع حديثه فى الموبايل:
- مالك؟ سكتتى ليه؟ خير؟
- ........
- فاكر موضوع زمان؟! بتاع إيه؟!
- ........
- قصدِك لما إتكلمنا زمان فى موضوع كده؟
- .........
- طبعاً فاكر، هو دى حاجة تتنسى!
- .........
- سكتتى تانى ليه؟ أرجوكى كمّلى..
- ........
- مش عارف يا دوللى، بس أنا كنت وعدت نفسى زمان مفكرش فى حد مبيفكرش فيا..
- .......
- ممكن تفهّمينى أكتر؟
- ......
- أنا فعلاً بعدت عنّك – مع إنى كنت لسه بحبك – بس ده عشان أنسى و أبتدى حياتى من جديد.
- ......
- لأ... مقدرتش، بس بتسألى ليه؟
- .....
- متضايقة؟ ليه؟
- .....
- بس أنا كنت فاكر إنى مش فارق معاكى.
- .......
- مش مصدّق، قصدك إيه مشاعر الإنسان بتتغير؟
- ......
- لو أنا بحب حد قوى أقوله إيه؟ ده سؤال برضه؟
- ........
- طبعاً أقوله إزيك عامل إيه..
- ......
- (دامعاً) أنا؟!!! أنا كويس قوى قوى قوى.
- .....
- (ضاحكاً)أيوه كده إضحكى شوية...
- .....
- (دموع ساخنة تسيل على وجهه) و أنا كمان بحبك قوى. يعنى كنتى مخبية عنى كل الفترة دى؟ ليه؟
- ......
- طب كنتى إدينى أى علامة، إنتى عارفة أنا مستنى اللحظة دى من كام سنة؟
- ......
- مستنى من زمان المكالمة دى عشان أحكيلك على كل الحاجات اللى عملتها طول الفترة اللى قضيناها سوا و أشوف خدتى بالك ولا لأ.
- .......
- حاجات كتير صدقينى... بس حاجات بسيطة قوى، كان نفسى تاخدى بالك.
- .......
- فاكرة أول مرة إتغدينا سوا؟ أنا كنت واكل بس حبيت آكل تانى معاكى – تلكيك بقى.
- .......
- فاكرة لما عزمت الكورال كله على السينما؟ ده كان عشانك – كنت عارف إنك كان نفسك تروحى الفيلم ده. كل الناس جت إلا إنتى، كان نفسى تحضرى جنبى.
- .......
- فاكرة كنت بجيبلك إيه مخصوص مرة كل أسبوع تقريباً؟
- .......
- أيوه دى كانت عشانك إنتى بس.
- .......
- طب فاكرة العروسة؟
- .......
- و الصور بتاعتى؟
- .......
- صدقينى كل حاجة كنت بعملها كنت بفكر فيكى. أنا مبسوط قوى دلوقتى إنى حكيتهالك، و مبسوط أكتر عشان أخيراً حسيتى بيها.
- .......
- عارفة أنا حاسس بإيه؟ زى ماكون بحلم مش بكلمك بجد. عارفة أنا ياما حلمت بالمكالمة دى و إتمنيتها.
- .......
- أنا زى ماكون عشت المكالمة دى قبل كده بكل تفاصيلها – إحساس غريب قوى مش قادر أوصفهولك.
- .......
- مش لازم نضيع دقيقة واحدة كمان من عمرنا، اليوم ده أحلى يوم فى عمرى. اللحظة دى أجمل لحظة فى حياتى – نفسى أعملّها ستوب كده و أفضل أعيدها مرة ورا مرة ورا مرة – لغاية ما تسفّ.
- ......



- مع السلامة يا أجمل حب. دوللى؟
- .......
- أرجوكى تعالى، أنا محتاجلك.
- .......
- سلام.

إرتفع صوت الموبايل تيت تيت تيت ثم فصل تماماً مثل صاحبه الذى حدّق فى الفراغ ثم نظر لأصدقائه – الذان يبدوان كما لو كانا منصتين للحوار بأكمله، فقد كف فرفر عن الضحك بينما إنخرطت نوسة فى البكاء و قالت:
- أنا مش فاهمة حاجة بس أنا فرحتلك.
قال ميزو و هو يجلس على مقعده فى سعادة – كما لو كان لا يدرك وجود أصدقاؤه:
- أنا مبسوط قوى، أنا فضلت كتير قوى مستنيها تكلمنى و تقولى إنها بتحبنى. أنا كنت فاكرها عمرها ما هتحبنى. أخيراً القدر رضى عنى. أخيراً اللى حبيته حبنى. أنا مش مصدق أنا هتجنن !!
أخرج ميزو من قميصه خطاباً مهترئا و أخذ يتأمله فى هدوء بأيادى مرتعشة بينما سقطت منه صورة على الأرض بدون أن يلاحظها.
عاد فرفر للحديث مع نوسة قائلاً:
- مش ممكن، الواد ده ممل جداً. كل يوم كده.
- (نوسة فى دهشة) فعلاً؟
- (فرفر فى غيظ) يا دى الزهايمر
جاءت فتاة من بعيد ترتدى ملابس بيضاء أنيقة و تحمل صينية بها أكواب من الماء وضعتها أمامهم. ثم مالت على الأرض و إلتقطت الصورة و وضعتها على المنضدة. إبتسمت فى هدوء و قالت و هى تشير إلى ساعتها:
- أنا آسفة، المعاد جه.
أومأ الجميع برؤوسهم فى تفهم للفتاة التى حيّتهم و إنصرفت من حيث أتت بينما مدّ كل منهم يده إلى جيبه. نظرفرفر إلى الصورة و هو يشرب الماء، صورة لفتاة جميلة هادئة الملامح و بجوارها شاب وسيم و طفلان توءمان – يشبهان الفتاة تماماً.


إبتلعت نوسة قرصاً من الدواء و شربت القليل من الماء ثم نظرت بإستغراب إلى ميزو الذى إلتقط موبايله فى لهفة و قال:
- أيوه أنا ميزو، دوللى؟
- .......
- إزيِك؟ عاش من سمع صوتِك.
- .......
- أبداً، أنا كنت قاعد مستنى.
- ......
- مستنى تليفونك طبعاً.
- ......

كان الظلام قد خيم على المكان تماماً عندما قام الجميع من الحديقة متجهين إلى داخل المصحة الخاصة حيث يباشرون علاجهم النفسى من عام مضى. لقد تعارفوا هناك حتى صاروا أصدقاء مقربين.
سألت نوسة فرفر بصوت خفيض:
- هو مش موبايله فصل؟ بيتكلم إزاى؟
لم يرد فرفر على نوسة بل إبتسم فى هدوء و ربت على كتفها فى هدوء كما يفعل كل يوم و تابع مسيرته إلى الداخل. مسكين ميزو طالما حلم باليوم الذى تتصل به فتاته يوماً بعد يوم حتى جاءه هذا الجواب فطار صوابه.
أخذ ميزو يهمس فى الموبايل:
- عارفة أنا حاسس بإيه؟ زى ماكون بحلم مش بكلمك بجد. عارفة أنا ياما حلمت بالمكالمة دى و إتمنيتها.
- .......
- أنا زى ماكون عشت المكالمة دى قبل كده بكل تفاصيلها – إحساس غريب قوى مش قادر أوصفهولك.
- .......

الاثنين، يناير ٠١، ٢٠٠٧

الليلة 1313 من ليالى ألف ليلة



فصة قصيرة بقلم ميشيل حبيب


بداية الكلام
إهداء: لكل من قسا الحب و القدر عليه 13 مرة فأكثر.
تحذير - القصة كئيبة جداً!

عودة شهرزاد بقصة أخيرة
و لما كانت الليلة الأولى بعد الألف ليلة، عفا الملك الجبار المدعو شهريار عن زوجته شهرزاد بنت الوزير المختار بعد أن أذهلته بقصصها الساحرة و رواياتها العامرة بحكمة طاغية. و أدرك الملك المغوار كم هو محظوظ بزوجة فى مثل ذكائها الفطرى و جمالها السرمدى و إخلاصها الأبدى. و كفّت شهرزاد عن الحكايات و أخذت ترعى الأولاد بينما مضى شهريار يحكم البلاد و عاشا فى تبات و نبات.

و لم يمض عليهم عام و هم يعيشون فى سلام و إنسجام حتى إشتاق الملك الهمام إلى حكاية من حكايات زمان. و عادت شهرزاد للكلام، تحكى حكاية الختام، آخر حكاية قبل المنام، حكاية الشاب الغلبان الذى رفض حبه كل الصبايا الحسان، بل كل بنات هذا الزمان.

الليلة 1313
و لما كانت الليلة الثالثة عشر بعد الثلاثمائة بعد الألف، دخلت شهرزاد إلى مخدعها و جلست بين يدى زوجها و ملكها و فتحت فمها بالكلام و قالت بعد السلام:
بلغنى أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد أنه فى عام من الأعوام فى المستقبل البعيد عاش رجلاً تقياً يدعى عطيه الحبشى. كان الحبشى طبيباً للغلابة و نصيراً للضعفاء و قد أحبه الجميع من أهل المدينة، الفقراء منهم و الأغنياء. و رزقه الله بزوجة جميلة و أولاداً يحسدهم عليهم الحاسدين و الغرباء.
توالت السنون و كبر البنون و منهم الفتى ملاك الذى قد ورث حكمة أبيه و طيبة و جمال والدته الحنون. و صار ملاك شاباً رائعاً و قد برع فى عمله براعة و نجح فى حياته نجاح لكنه قضى شبابه ملاّح بعيداً عن مدينته سوّاح. و لما شعر ملاك بغربته و أحس بوحدته و سرق الزمان عمره و راحته وجد نفسه محتاجاً لأنيس حياته، لمن يشاركه نجاحه، لمن يقاسمه فرحه و يشاطره كربه و يملأ عليه دنياه و عمره. رجع ملاك إلى المدينة و قد عقد العزيمة ألا يهدأ له بال حتى ينال زوجة كريمة تعوضه الأيام الأليمة.

جمال جميلة
لم تكد تقع عليها عيناه حتى إهتز لها كل كيانه و إرتجت لها كل مشاعره، هى جميلة و إسمها جميلة، كل ما رسم فى خياله من جمال وجد مثله ألف مرة فى ملامحها ذات الدلال. وجهها المشرق كالشمس فى فصل الربيع، عيناها الدافئتان بلون السماء الصافى البديع، شعرها الذهبى يتطاير كخيوط من نور و قدها الرقيق الملفوف كالصبايا الحور. لم يكن ليختلف إثنان على جمالها الفتان و من يراها يصير شاعراً لآخر الزمان.
عشق ملاك جميلة و لم تعشق جميلة ملاك. رأى ملاك فى جمالها متعة قد تملأ حياته سعادة و هناء و تمنى لو شاركته جميلة رحلة عمره إلى الفناء.
و لكنها لم تجد فيه ما وجد فيها و ما قبله ملاك رفضته جميلة. رفضاً قاطعاً رفضاً أخيراً
هام ملاك على وجهه أيام، حزيناً على حب ما دام، لا تصاحبه إلا الدموع و الآلام، حتى وصل إلى كهف إدريس، الساحر الخبيث صديق الجن و الشيطان.
فقال ملاك شاخصاً نظره إلى السماء: ربى لم وهبتنى عينان أرى بهما كل هذا الجمال الفتان ثم تحرمنى منه الآن. كم هو أليم أن أنعم برؤية الجمال و لكن حصولى عليه محال. فلتأخذ منى بصرى فى التو و الحال.
فلما سمعه الساحر إدريس ضحك ضحكة إبليس و عرض عليه عرض خسيس أن يأخذ منه بصره بثمن رخيص.
و رجع ملاك إلى المدينة و نام، و جاءته الكثير من الكوابيس و الأحلام، و صحا فى اليوم التالى فى ظلام تام.

حكمة حكيمة
جاءت لتقص عليه الحكايات و تقرأ له الأخبار و المقالات. فتسلل حديثها المثير إلى أذنيه عبر الأثير و تغلغل إلى قلبه شعور غزير و حب كثير. غلبته حكيمة بحكمتها و أحس بالأمان فى ثقة نبرتها و الثقافة الأجنبية فى لكنتها. كان يشتاق لسماع صوتها الشجى الحنون حتى كاد يصيبه الجنون.
كان كلام حكيمة يتجاوز أذنيه ليسبر أغوار عقله، كم كان حديثها مريحاً فصار قلبه شريداً حتى عشق ملاك حكيمة لكن لم تعشق حكيمة ملاك. سمع ملاك فى صوتها سحراً قد يملأ حياته سعادة و هناء و تمنى لو شاركته حكيمة رحلة عمره إلى الفناء
و لكنها لم تجد فيه ما وجد فيها و ما قبله ملاك رفضته حكيمة، رفضاً قاطعاً رفضاً أخيراً
هام ملاك على وجهه أيام، حزيناً على حب ما دام، لا تصاحبه إلا الدموع و الآلام، حتى وصل إلى كهف إدريس، الساحر الخبيث صديق الجن و الشيطان.
فقال ملاك: ربى لم وهبتنى أذنان أسمع بهما هذا الكلام الرنان و الحديث الفتان ثم تحرمنى منه الآن. كم هو أليم أن أعيش فى جنة حكمتها و نعيم أفكارها ثم تطردنى منه كالشيطان. و ما إحتياجى إلى سمعى الآن. فلتأخذه كما أخذت العينان.
فلما سمعه الساحر إدريس ضحك ضحكة إبليس و عرض عليه عرض خسيس أن يأخذ منه سمعه بثمن رخيص.
و رجع ملاك إلى المدينة و نام، و جاءته الكثير من الكوابيس و الأحلام، و صحا فى اليوم التالى فى هدوء تام.

رقة حنان
مرت شهور طوال لم تتغير فيها الأحوال، و بقى ملاك فى الظلام والهدوء التام. إلى أن جاءت حنان لترعاه باقى الأيام. عند غروب شمس الأصيل كانت تصحبه إلى شاطىء النخيل ليتنسم الهواء العليل و يداعب شعاع الشمس الأخير وجهه الكسير قبل أن يسقط أسير فى البحر الكبير.فى بعض الأحيان كانت تمسك يديه بحنان كلما غابت الشمس عن العيان. و كم من مرة أطلق ملاك لقدميه العنان حتى لامست الشطآن و إرتطمت بموج البحر الغضبان. وقفت بجانبه فشعر بأنفاسها الدافئة كأحضان حارة تحيط بظلامه الكئيب، كشموع ساخنة تنير عالمه الغريب. كانت ترى حزناً دفيناً فى عينيه الشاردتين فتربت على يديه المرتعشتين، كم كان حنانها دافقاً كالبحر، عشق ملاك حناناً لكن ما عشقت حنان ملاكاً. لمس ملاك فى يديها رقة قد تملأ حياته سعادة و هناء و تمنى لو شاركته حنان رحلة عمره إلى الفناء.
و لكنها لم تجد فيه ما وجد فيها و ما قبله ملاك رفضته حنان، رفضاً قاطعاً رفضاً أخيراً
هام ملاك على وجهه أيام، حزيناً على حب ما دام، لا تصاحبه إلا الدموع و الآلام، حتى وصل إلى كهف إدريس، الساحر الخبيث صديق الجن و الشيطان.
فقال ملاك: ربى لم وهبتنى قلباً ضعيفاً يرق لهذه المشاعر الرقيقة و الأحاسيس الرهيفة ثم تحرمنى منها فى دقيقة.. كم هو أليم أن ألمس رقة و حنان ثم تحرمنى منهم الآن . و ما إحتياجى إلى قلبى و مشاعرى. فلتأخذها كما أخذت سمعى و بصرى.
فلما سمعه الساحر إدريس ضحك ضحكة إبليس و عرض عليه عرض خسيس أن يأخذ منه مشاعره بثمن رخيص.
و رجع ملاك إلى المدينة و نام، و جاءته الكثير من الكوابيس و الأحلام، و صحا فى اليوم التالى بلا مشاعر ففقد حاسة اللمس و الآلام.

حلم أحلام
فقد ملاك إتصاله بالعالم فهو لا يرى أحداً، لا يسمع أحداً، بل لا يشعر بأحد، حتى يدى والدته التى تربت عليه لم يعد يشعر بها. لقد أصبحت حياته هى مجرد حلم، بل أصبح الحلم هو حياته. و لم يمض الكثير من الوقت حتى تعرف عليها، هى، كل الفتيات التى أحبها مجتمعة فيها، جمال جميلة، حكمة حكيمة، و رقة حنان. إنها أحلام. نعم، إسمها أحلام، و صفاتها أحلام، أحلام ملاك لفتاة أحلامه التى عاد لمدينته من أجلها و ضحى بحياته كلها حزناً على عدم وجودها، ها هى الآن، هو يراها و يسمعها و يحس بها. كم هو سعيد بحلمه، كم يتمنى لو بقى فى حلمه طوال عمره. تشجع ملاك و تقدم من أحلام و طلبها بقربه. و لكنه كلما إقترب هو منها، إبتعدت هى عنه!
عشق ملاك أحلامه لكن ما عشقت أحلام ملاك. وجد ملاك فيها ما يملأ حلمه سعادة و هناء و تمنى لو شاركته أحلام عمره إلى الفناء.
و لكنها لم تجد فيه ما وجد فيها و ما قبله ملاك رفضته أحلام، رفضاً قاطعاً رفضاً أخيراً
هام ملاك على وجهه أيام، حزيناً على حلم ما دام، لا تصاحبه إلا الدموع و الآلام، حتى وصل إلى كهف إدريس، الساحر الخبيث صديق الجن و الشيطان.
فقال ملاك: ربى لم وهبتنى خيالأ خصيباً و حلماً جميلاً و حظاً قليلاً. و ما إحتياجى إلى خيالى و أحلامى. فلتأخذها كما أخذت سمعى و بصرى و مشاعرى.
فلما سمعه الساحر إدريس ضحك ضحكة إبليس و عرض عليه عرض خسيس أن يأخذ منه أحلامه بثمن رخيص.
و رجع ملاك إلى المدينة و نام، و لكن ما جاءته كوابيس و لا أحلام، حتى وافته المنية فى المنام.

نهاية الكلام
و إستدركت شهرزاد: مولاى، هكذا كانت النهاية الأليمة لشاب لم يتمنى سوى زوجة كريمة. و لكن رفضته كل جميلة، رفضته كل حكيمة، رفضه كل حنان بل رفضته حتى الأحلام. فرفض هو الحياة، فما الذى تعنيه حياة إنسان بلا شريك طول الزمان يشاركه نجاحه، يقاسمه فرحه، يشاطره كربه و يملأ عليه دنياه و عمره. .

و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح و بدأ الديك فى الصياح و خلد شهريار إلى النوم فى إرتياح.

ميشيل حبيب.. فى 1 يناير 2007




حقوق النشر محفوظة لدى الشهر العقارى و جمعية حقوق المؤلف.
Artwork by - Rowena Morrill, William Bouguereau

الأربعاء، يوليو ١٩، ٢٠٠٦

Sanagel - First Issue

أخيراً بعد فترة طويلة من التحضير و سهر الليالى بعد الشغل و الويك إندز لمدة حوالى شهرين، خلصت سكريبت أول عدد من سناجل بعنوان التعويذة.
العدد متاح مجاناً هنا
يا ريت يا ريت لو قريت العدد لو ممكن تملا الSurvey ده هنا
و على فكرة موقع السناجل الرسمى هنا
الموقع هيكون عليه تطورات القصة المصورة.
مش عايز أكتب كتير عشان كفاية كده كتابة عليا :) بس أرجوكوا يا ريت الردود و الSurvey عشان أعرف رأيكم قبل ماكمّل العدد التانى.
البلوج بتاع السناجل هنا:

الجمعة، يونيو ٢٣، ٢٠٠٦

sanagel - سناجل

أخيراً بدأت مرحلة الكتابة فى قصتى القصيرة - سناجل - و سأقوم بنشر الجزء الأول منها أولاً بأول
السناجل هم مجموعة من الأصدقاء الغير مرتبطين- أمير، جولين، عماد و سالى - تربطهم صداقة قوية. يتعرض أمير لحادث مشابه لقصة بيجماليون بعد إنفصاله عن خطيبته. فيجد نفسه محاصراً بتلك الفتاة الساحرة مايا التى تقتحم حياته بتعويذة سحرية لن تنتهى إلا بزواج أمير. لا يستطيع أحد رؤية مايا سوى أمير و كلبته الشيواوا دليلة - و تصير مايا جزءاً لا يتجزأ من فكر أمير و حياته وسط أصدقائه. إن القصة هى فقط قصة البداية بينما قصة السناجل هى قصة حياة مجموعة أصدقاء لن تنتهى.

الثلاثاء، مايو ١٦، ٢٠٠٦

و ماله



قصة قصيرة بقلم ميشيل حبيب.

بدأ قرص الشمس البرتقالى يتساقط فى الأفق البعيد معلناً نهاية اليوم حينما خرج أمير من مبنى الشركة ليستقل سيارته و ينطلق بها فى الطريق الشبه خالى من المارة . إن أحد أهم طقوس أمير هى إدارة مفتاح الراديو للإستماع إلى الموسيقى أثناء القيادة. إنسابت إلى مسامعه إحدى أغانى ألبوم عمرو دياب الأخير التى إشتهرت لجمال نغمتها و رقة كلماتها البسيطة


و ماله لو ليلة تهنا بعيد و سبنا كل الناس

أنا يا حبيبى حاسس بحب جديد مالينى ده الإحساس
و أنا هنا جنبى أغلى الناس أنا جنبى أحلى الناس

وضع أمير ذراعه حول ظهر المقعد المجاور له، و ألقى نظرة حانية إلى الفراغ الجالس بجانبه فى مستوى نظره ثم عاد ببصره إلى الطريق الذى بدأ يمتلىء بالسيارات. لم ينتبه أمير إلى وجهته، إنما كانت يداه تقوداه كما لو كان يدرك وجهته بكل ثقة. أعاد يده إلى ذلك الموضع بين المقعدين الذى طالما شهد تعانق أصابعهما. مرات كثيرة جداً رتبت بيدها الأخرى فوق يده حتى يصدر صوتاً معدنياً فتقول له باسمة كم إشتاق الخاتمان إحداهما إلى الآخر فينظر إليها بحنان غارقاً فى عينيها الجميلتين الملونتين

حبيبى ليلة تعالى ننسى فيها اللى راح
تعالى جوه حضنى و إرتاح دى ليلة تسوى كل الحياة
مالى غيرك و لولا حبك هعيش لمين
حبيبى جاية أجمل سنين و كل مدى تحلى الحياة

لم يشعر أمير أنه تجاوز منزله و مازال منطلقاً فى طريقه الذى بدا كما لو كان يحفظه عن ظهر قلب، كما لو كان سار فيه مرات لا تحصى و لا تعد. لم يشعر أمير بتلك الراحة فى حياته مطلقاً إلا عندما أدرك إنه و جد الإنسانة التى ستشاركه حياته و أحلامه، الإنسانة التى سيشاركها كل لحظات فرحها و حزنها، كم هى طيبة كم هى مثالية كم هو محظوظ . عاد مجدداً يتذكر إبتسامتها الصافية البريئة التى أذابت قلبه و جعلته ينتظر كل فرصة لإرضائها أو مفاجأتها أو تأكيد حبه و إستعداده للتضحية من أجلها . كم كان طفلاً فى حبها. غريب جداً هو الرجل عندما يحب

حبيبى إلمس إيديا عشان أصدق اللى أنا فيه
ياما كان نفسى أقابلك بقالى زمان خلاص و هحلم ليه
مانا هنا جنبى أغلى الناس جنبى أحلى الناس
إحساس غريب ينتاب أمير عند سماعه لتلك الأغنية، لكنه لا يدرى لماذا؟ مازال ينطلق فى طريقه حتى إنه لم ينتبه إلى محاولة صديقه للإتصال به على هاتفه المحمول. فقد كان غارقاً فى عالم آخر. طوال عمره لم يدرك كم هو رائع أن تتلامس أيدى الأحبة إنه إتصال غريب جداً كما لو كان قلبيهما يتلامسان بل يندمجان فى قلب واحد ينبضان معاً. لم يكن ليريد أن يترك يدها أبداً. أين أنا؟ إلتفت أمير حوله حيث إنتهى به المقام إلى تلك البقعة الراقية من المدينة بل إلى هذا الشارع بعينه الذى إعتاد أن يرتاده كل يوم بعد عمله ليصحب رفيقته. توقف أمير فجأة على ناصية الشارع، ذاك الشارع الذى شهد لقاءاتهما، ذاك الشارع الذى شهد فراقهما الأليم، ذاك الشارع الذى قادته سيارته إليه اليوم و ذات الأغنية التى شهدت هذا الموقف حين تخلت عنه و تركته وحده محطماً
مالى غيرك و لولا حبك هعيش لمين
حبيبى جاية أجمل سنين و كل مدى تحلى الحياة


السبت، مايو ١٣، ٢٠٠٦

الكعب للقفا


كنت بتكلم فى الموضوع اللى فات عن الإرتباط و كونه عملية تشبه البحث عن إبرة فى كومة قش

المهم الإبر مش موضوعنا دلوقتى أنا كنت بفكر فى نظام كونى مختلف يتماشى مع العصر الحالى. يعنى زمان مكانش فيه البشر دى كلها. المسألة كانت سهلة، آدم لحوا و حوا لآدم إنما دلوقتى فيه 3 بليون آدم و 3 بليون حوا ، الموضوع إتعقد شوية و مكنش حد عامل حسابه و أكيد محتاج حل من فوق أكبر منى و منك عشان كده فكرت فى طريقة تانية للموضوع ده، أحكيلكوا الحكاية الأول؟



- بابا عايز أتجوز
-ورينى قفاك يابنى
- إتفضل يا بابا
- بصوت عالى - هاتى نضارة القراية يا فوزية
تجرى فوزية مهرولة و تحضر النضارة و هى تتمتم، يا ألف نهار أبيض، و ترقع زغروتة مدوية
يقرأ الوالد بصعوبة من على قفا إبنه

- إسمها نادية عبد السلام و نمرتها أهى
- ميرسى يا بابا إستنى أديها رنة
- رنة إيه يا واد إبقى حب فيها براحتك بعدين كلمها خد عنوان البيت
يتصل الشاب بالنمرة:
- ألو أيوه أنا تامر يا نادية
- تامر مين؟
- عريسك،إسمك مكتوب عندى
- صحيح يا تامر؟ إنت باباك عايش؟
- آه ليه؟
- طب و حياة والدك إبعتلى صورة قفاك
- قفايا؟ طب مش تشوفى وشى الأول؟
- يوه طب خد عندك العنوان أهه
يدق تامر بقوة على باب العروسة واقفاً متأنتكاً مع أهله، يفتح الباب رجلاً ضخماً و يقول:
- أهلاً يا مرحب، إنت تامر يابنى؟
- أيوه يا أنكل عبد السلام - مشيراً بإصبعه إلى نقطة وراء رأسه - أنا العريس
- من وراء الباب - صوت أم العروس - شرفتوا و أنستوا إتفضلوا
يدخل تامر و العائلة يتعارفون مع أهل العروس التى تخرج عليهم فى أبهى صورة. يمد تامر يده ليسلم على عروسته نصيبه ، تسلم عليه سريعاً و تقول له:
- لف يا تامر
- نعم؟
- يوه لف خلينى أخلص
تخرج نادية تليفونها المزود بكاميرا و فلاش و تقوم بتصوير قفا تامر ثم تسارع بإرسال صورة القفا إلى كل صديقاتها إس إم إس موضحة إسمها و نمرتها على القفا
تتململ الست فوزية فى كرسيها فتقول الست أم نادية:
- دحنا زارنا النبى
فتقول الست فوزية
- يا نادية يا بنتى حد يلبس شراب برضه فى المناسبة دى؟ مش دى الأصول أبداً
تجلس نادية و تقوم بخلع الحذاء الرياضى و الشراب كاشفين عن قدمها اليسرى و تجلس الست فوزية على الأرض أمام نادية و تقترب من كعبها بعيونها و تقرأ بصوت مخنوق:
- تامر أبو العزايم
يقول والد العريس المثل الشهير: الكعب للقفا و يكمل والد العروس: بالحب و الوفا
ترتسم إبتسامة خجول على وجه نادية و تنطلق الزغاريد من بيت العروس معلنة إكتشاف العريس.

سهلة مش كده؟ مفيش أسهل من إن كل واحد يتولد و مكتوب على قفاه و لا كعبه إسم شريك مستقبله و نمرته، حاجة من عند ربنا كده - مش الناس بتقول نصيب؟ خلاص يبقى مفيش حاجة تمنع إنه يبقى معروف من الأول هتوفر وقت و مشاكل و كهربا و فلوس و وجع قلب.
الكعب للقفا بالحب و الوفا.
صدقونى أنا مشربتش أى حاجة بس بقالى 13 يوم بشتغل بدون توقف النهارده أجازة :)
ميشو